في 16 آذار/مارس الجاري، أصدرت وزارة الإعلام السورية تعميماً منعت فيه ثلاث مؤسسات إعلامية من ممارسة أي نشاط إعلامي داخل أراضي الجمهورية العربية السورية، وشمل التعميم موقع ومنصة "هاشتاغ"، ومنصة "جسور نيوز"، ومنصة "الدليل"، معللة ذلك بعدم حصولها على الترخيص الأصولي من مديرية الشؤون الصحافية.
واستند التعميم إلى القوانين والقرارات النافذة والمنظمة لعمل المنصات والمؤسسات الإعلامية بعد سقوط نظام الأسد، وخصوصاً التعميم رقم 18 تاريخ 15 حزيران/يونيو 2025، والتعميم رقم 57 تاريخ 20 تشرين الأول/أكتوبر 2025، اللذين نصا على وجوب الترخيص أو تجديد التراخيص للمؤسسات الإعلامية المرخصة سابقاً تحت طائلة إلغاء الترخيص الممنوح لها.
وجاء في التعميم أن أي شخص طبيعي أو اعتباري يقوم بأي عمل أو يتعاون بأي صورة كانت لصالح هذه المنصات داخل سوريا، يعرض نفسه للملاحقة القضائية، فيما دعت الوزارة جميع المؤسسات والمنصات الإعلامية إلى المبادرة لاستكمال إجراءات الحصول على التراخيص اللازمة وفقاً للقوانين والأنظمة المعمول بها.
وكان هذا التعميم قد صدر بعد انتهاء المهلة التي منحتها الوزارة للمؤسسات الإعلامية لاستكمال الأوراق المطلوبة، عقب تمديد سابق كانت الوزارة قد أعلنته، مع تأكيدها آنذاك أنها ستلغي تراخيص المؤسسات التي لم تستكمل طلبات الترخيص أو وثائقها.
اعتراض من "جسور نيوز"
وأثار القرار تساؤلات مباشرة، خصوصاً بعد تعليق نشرته رئيسة تحرير "جسور نيوز" هديل عويس، وهي إحدى الجهات المشمولة بالتعميم، وقالت عويس إن ما ورد في البيان "غير صحيح"، موضحة أن "جسور نيوز" تقدمت للحصول على الترخيص وفق الأصول القانونية، ومنحت تصريحاً يجدد شهرياً، وما يزال هذا التصريح سارياً استنادا إلى الأوراق التي قدمتها، دون أن تنشر أي وثائق تؤكد صحة ما قالته. وأضافت أن مراسلي المنصة كانوا في وزارة الإعلام قبل أسابيع، وابلغوا حينها بأن جميع الأوراق المطلوبة للحصول على الترخيص قد استكملت.
وتساءلت عويس عن سبب إدراج اسم "جسور نيوز" إلى جانب وسيلتين إعلاميتين أخريين رغم اختلاف وضعها القانوني، على حد تعبيرها، مشيرة إلى أن البيان نفسه تحدث عن وسائل إعلام أخرى لم تستكمل أوراقها بعد، ودعاها إلى استكمال إجراءات الترخيص.
ورأت عويس أن نشر البيان بهذه الصيغة من قبل وزارة الإعلام والمنصات الحكومية يمثل تشهيراً بوسيلة إعلامية تعمل بشكل قانوني، بحسب وصفها، ويعرض المنصة ومراسليها لمشكلات ومخاطر ميدانية، وقد يهدد سلامتهم الشخصية، معتبرة أن الأمر قد يرقى إلى مستوى التحريض على فريق العمل وعلى الأشخاص الذين قابلتهم المنصة ميدانياً، بما قد يفتح الباب أمام اعتداءات عليهم، كما أشارت عويس إلى أن مراسلي "جسور نيوز" راجعوا الوزارة حتى يوم 24 آذار/مارس، ولم يتم إبلاغهم بوجود أي ملاحظة أو إشكالية تتعلق بأوراق الترخيص.
في المقابل، لم تصدر حتى الآن أي تعليقات علنية من "الدليل" أو "هاشتاغ سوري" بشأن القرار، رغم أنهما وردتا أيضا ضمن التعميم الصادر عن الوزارة.
عمر حاج أحمد لـ"المدن": التعميمات ستصدر تباعاً
وفي تعقيب لـ"المدن"، قال مدير إدارة الشؤون الصحافية والتراخيص في وزارة الإعلام، عمر حاج أحمد أن عدد المؤسسات الإعلامية الموجودة يتجاوز 400 مؤسسة بمختلف تصنيفاتها الإذاعية والتلفزية والإخبارية والمطبوعاتية، وأن تراخيص هذه المؤسسات ستلغى في حال عدم تقديم طلبات تجديد للتراخيص السابقة، أو في حال عدم استكمال الأوراق والثبوتيات المطلوبة.
وأضاف أن تعاميم الإلغاء ستصدر تباعاً حسب كل تصنيف، موضحاً أن التعميم الأول جاء بحق بعض المنصات بسبب كثرة التجاوزات القانونية التي ارتكبتها، وبسبب استمرارها في العمل من دون ترخيص، رغم مطالبتها بذلك مرات عدة.
وحول "جسور نيوز"، قال حاج أحمد إن المنصة تقدمت بطلب ترخيص، من دون استكمال باقي الإثباتات، مضيفاً أن نوع المؤسسة الوارد في الطلب تضمن خطأً جسيماً يضر بالمؤسسة ذاتها، ولذلك طلبت الوزارة منها تعديل نوع المؤسسة قبل استكمال الترخيص.
وأوضح حاج أحمد أن تصاريح العمل التي منحت لمراسلي المنصة صدرت على عاتق المديرية، بهدف عدم تعطيل عمل المنصة، رغم أنها لم تكن قد حصلت على ترخيصها بعد.
قرار قانوني
ورداً على توصيف التعميم أنه تشهير بالمنصات المشمولة، قال حاج أحمد إن هذا الطرح "غير منطقي"، لأن الإجراء، بحسب تعبيره، هو قرار قانوني، وكما يصدر الترخيص بالاسم الصريح، فإن قرار إلغاء الترخيص أو منع العمل يصدر أيضا بالاسم الصريح، وأضاف أن "جسور نيوز" تعمل حتى الآن من دون ترخيص قانوني، لأن التصريح الممنوح لمراسليها لا يعد ترخيصاً للمؤسسة.
وتابع أن الوزارة اجتمعت مع إدارة "جسور" بعد اعتراضها على التعميم، وأن الملف ما يزال في طور المعالجة، بعدما تقدمت المنصة بطلب ترخيص نظامي بصيغة "مكتب اعتماد داخل سوريا"، استناداً إلى ترخيصها الخارجي.
الترخيص والمحتوى
وعند سؤاله عن الحالات التي يمكن إلغاء التراخيص الإعلامية للمؤسسات وهل للمحتوى علاقة بذلك، أكد حاج أحمد لـ"المدن" أن الوزارة لا يمكن أن تلغي ترخيص أي وسيلة إعلامية بسبب المحتوى المنشور، موضحاً أن منع العمل سيقتصر على المؤسسات التي لم تستكمل إجراءات الترخيص، وأضاف أن الحالات المتعلقة بالمحتوى التحريضي تخضع لإجراءات مسلكية، من دون أن يؤدي ذلك تلقائياً إلى سحب الترخيص.
وفي السياق، قال حاج أحمد: "سحب الترخيص قد يرتبط أيضا بمخالفة الأنظمة والقوانين المعمول بها في سوريا، وخصوصاً تلك المتعلقة بالإعلام والجريمة الإلكترونية".
أما بالنسبة إلى منصتي "الدليل" ومنصة "هاشتاغ سوريا"، ومقرها في الإمارات، فقال حاج أحمد إن هاتين الوسيلتين لم تتقدما أصلاً بأي أوراق للحصول على الترخيص، وهو ما يعني أنهما لم تدخلا من الأساس في المسار الإداري المطلوب للعمل القانوني داخل البلاد.
عشرات الإنتهاكات
بدوره قال نائب وزير الإعلام عبادى كوجان في منشور على حساباته في مواقع التواصل: "تم تسجيل عشرات الانتهاكات الأخلاقية والمهنية للمحتوى الخاص بهذه المنصات، وكان الخطاب مرتفع الكراهية والتنميط، والإفتراء، وعديم الدقة والموضوعية، وهذا ما تمنعه مدونة السلوك المهني، وكل مواثيق الشرف وأخلاقيات المهنة." وأضاف كوجان: "تم مخاطبة المنصات المذكورة والجلوس مع بعضها أكثر من مرة، ولكن دون اتخاذ أي اجراء جدّي منهم للترخيص والعمل بشكل قانوني."، وقال كوجان أن هذه المنصات عملت بشكل غير أخلاقي وغير مهني وغير قانوني ابتداءً من آلية عمل مراسليهم وانتهاءً بخطابهم التحريضي، حسب تعبيره.
