ليست هذه المرة الأولى التي تستهدف إسرائيل الطواقم الإعلامية في لبنان خلال فترة الحرب. اللائحة تطول، كان آخرها استهداف اليوم لمراسل قناة "المنار" علي شعيب، ومراسلة قناة "الميادين" فاطمة فتوني وشقيقها المصور محمد فتوني. وفي حرب الـ 66 يومًا الماضية، قتلت إسرائيل عددًا من الصحافيين بشكل متعمد، بالرغم من أن القانون الدوليّ يعتبر أن أي استهداف للإعلاميين أثناء عملهم هو جريمة يعاقب عليها القانون وجريمة موصوفة مكتملة الأركان.
"press" لم تعد درع حماية
هذه الجريمة يطلق عليها اسم "جريمة حرب"، على الرغم من أن المجتمع الدولي يُحرم التعرض لأي أحد من الجسم الإعلاميّ باعتبار أن كلمة "press" التي تكتب بشكل واضح على السترة الواقية التي يرتديها أي إعلاميّ، يُفترض أن تكون كفيلة بتأمين الحماية له من أي استهدافٍ. لكن بات واضحًا أن إسرائيل لم تعد تكترث لكل ذلك، بل تتعمد على استهداف من تريد، بذرائع مختلفة غير مكترثة للمجتمع الدولي أو للاتحاد الأوروبي، وهذا ما يضع لبنان في موضع حرج، إذ لم يتمكن من إدانة إسرائيل أمام المجتمع الدولي لمعاقبتها على جرائمها.
إجراءات وخطوات جدية
دانت وزارة الاعلام الاعتداءات على الصحافيين، واصفةً ما حصل "أنه جريمة حرب متعمدة وموصوفة بحق الاعلام ورسالة الصحافة". في حديثٍ خاص لـِ "المدن" أوضح وزير الاعلام بول مرقص، أن وزارة الاعلام تعمل بشكل مكثف على التواصل مع المجتمع الدولي لوضعه أمام مسؤولياته حيال استهداف الجسم الإعلامي في لبنان، من خلال خطوات عملية وموثقة. فقد سلموا المنسقة الخاصة للأمم المتحدة في لبنان جانين بلاسخارت، لائحة مفصلة بالاعتداءات على الجسم الإعلامي والطواقم الصحية والطبية. وأرسلت المعلومات التي استجمعها لبنان إلى وزارة الخارجية والمغتربين التي تعمل على إعداد ملف متكامل للتحرك والشكوى والاحتجاج على المستوى الدولي.
ويتم تجهيز لائحة مماثلة إلى سفيرة الاتحاد الأوروبي في لبنان Sandra de waele، في إطار مطالبتنا بتحرك دولي فوري لوضع حد لهذا النهج الدموي ومحاسبة المسؤولين عنه استنادًا إلى القوانين والمواثيق الدولية.
يشرح مرقص لـِ "المدن" أن وزارة الاعلام تعمل على تعزيز حماية الصحافيين داخليًا عبر التنسيق المباشر مع الأجهزة الأمنية والعسكرية وتنظيم العمل الميداني في المناطق الخطرة، حيث طرح في مجلس الوزراء تحديد مرجعية واضحة للتنسيق بين الصحافيين والجهات المختصة. وتم الاتفاق مع وزير الدفاع اللواء ميشال منسى وقيادة الجيش اللبناني على اعتماد بريد إلكتروني خاص في مديرية التوجيه وتكليف ضابط ارتباط لتسهيل التغطيات الميدانية، بما يضمن سلامة الإعلاميين. إضافة إلى التواصل إلى طلبات المراسلين، لاسيما الأجانب بشكل يوميّ لتسهيل مهامهم إداريًا. إلى جانب تكثيف التوعية حول السلامة المهنية، وتوثيق أي اعتداء لمتابعته قانونيًا، والتواصل مع الجهات الدولية المعنية.
استمرار الانتهاكات
ولا يعد اغتيال شعيب وفتوني، خارجاً عن سياق الاعتداءات التي شهدها لبنان منذ العام 2023، حين قتلت إسرائيل المصور اللبناني في وكالة "رويترز" عصام عبدلله في علما الشعب، وفي العام 2024 استشهدت مراسلة قناة "الميادين" فرح عمر والمصور ربيع معماري في جنوب لبنان بغارة إسرائيلية موجهة، كما استهدف الطيران الإسرائيلي قناة "الميادين" في بيروت.
ويلفت مرقص إلى ضرورة الإلتزام بإرشادات السلامة المهنية والتنسيق المسبق مع الجهات المختصة قبل التوجه لمناطق الاستهداف، إضافة إلى أهمية عدم التواجد في نقاط القصف المباشر أو الاقتراب من الأهداف العسكرية، وضرورة استخدام معدات الحماية الشخصية. ويقول إن "استهداف الصحافيين هو نهج قائم بحد ذاته، ولا يحتاج إلى ذرائع أو مبررات. فإسرائيل لطالما استهدفت الإعلاميين بشكل متعمد ومتكرر في انتهاك واضح للقوانين الدولية بصرف النظر عن وجود محاسبة من عدمها".
لكن في المقابل، فإن إسرائيل لم تُعاقب بعد على استهداف الجسم الإعلامي في لبنان أو غزة. ويضيف مرقص: "إن غياب المساءلة يزيد من خطورة هذا الواقع ويكرس الاستمرار في هذه الانتهاكات. لذلك نقوم اليوم بتحرك دولي جدي يفضي إلى محاسبة واضحة، لأن حماية الصحافيين يجب أن تكون أولوية لا تخضع لأي استثناء".
سياسة ممنهجة وإجرامية
المفارقة اليوم، أن إسرائيل حاولت أن تُبرّر استهدافاتها. إذ نشر المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي أفيخاي أدرعي بيانًا زعم فيه أن شعيب عمل "إرهابيًا في قوة الرضوان التابعة لحزب الله وتحرك متخفيًا بصفة صحافي"، متهماً إياه بكشف مواقع تابعة للقوات الإسرائيلية، وأنه كان على تواصل مع حزب الله"، كما اتهمه بالتحريض ضد القوات الإسرائيلية.. بهذه العبارات، شرحت إسرائيل أسباب قتل الصحافيين في لبنان.
في السياق، أوضح أستاذ القانون في الجامعة اللبنانية المحامي جاد طعمه في حديثه مع "المدن" أن الاستهداف المتعمد لمركبة تقل صحافيين في جنوب لبنان لا يعتبر مجرد خرق عابر، بل سياسة ممنهجة وإجرامية تستهدف كل من يحمل كاميرا أو يمد يد العون أو ينقل الحقيقة. هذه الاعتداءات تشكّل انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي الإنساني، ولا يمكن تبريرها تحت أي ذريعة عسكرية، بل ترقى إلى جرائم حرب مكتملة الأركان تستوجب المساءلة والملاحقة الدولية.
لكن كيف يمكن ملاحقة إسرائيل؟
يجيب طعمة أن القواعد الدولية، لا سيما اتفاقيات جنيف، تمنح حماية خاصة للطواقم الطبية والصحافيين، باعتبارهما جهات محايدة تؤدي وظيفة إنسانية أو مهنية بحتة. وإن تكرار استهداف هذه الفئات يؤكد وجود نمط خطير من الانتهاكات التي تمس جوهر المبادئ الأساسية، وفي مقدمتها مبدأي التمييز والتناسب.
ويرى أن التعامل الرسمي مع هذه الاعتداءات لا يزال دون المستوى المطلوب، شارحاً: "قرار الحكومة اللبنانية التوجه إلى مجلس الأمن الدولي، رغم أهميته الشكلية، يبقى محدود الأثر في ضوء التجارب السابقة، حيث تعيق التوازنات السياسية الدولية، ولا سيما استخدام حق النقض، أي مسار فعّال للمساءلة. وقد سبق للحكومة اللبنانية أن قررت الانضمام إلى نظام روما الأساسي بعد استشهاد المصور عصام عبد الله، ثم تراجعت عن قرارها بعد أقل من شهر، وهذا ما كرس سياسة الإفلات من العقاب. لذلك يجب اتخاذ خطوات قانونية نوعية، تتمثل في انضمام لبنان إلى نظام روما الأساسي للتمكن من ملاحقة إسرائيل، تمهيدًا لرفع دعوى أمام المحكمة الجنائية الدولية بحق المسؤولين عن هذه الجرائم ومحاسبتهم. إذ من الضروري حماية مصالح الدولة اللبنانية والدفاع عن حقوق مواطنيها".
