لكل فيديو يُنشر من الضاحية الجنوبية لبيروت، من يشاهده بلهفة وترقب، لا كخبر ضمن عشرات الأخبار اليومية، بل كاحتمال شخصي وأمل. يتوقف عنده، يعيد مشاهدته، يبطئه، ويبحث في تفاصيله عن علامة واحدة: هل مازال بيتي قائماً أم أنه اختفى من الوجود؟
ومنذ تجدد الحرب في لبنان، تحولت فيديوهات الصحافيين والمصورين من المناطق التي تهجر سكانها، إلى وسيلة متابعة يومية لآلاف اللبنانيين الذين لم يعد بإمكانهم الوصول إلى منازلهم. في ظل تهديدات واسعة وغير محددة تطاول مناطق مدنية وسكنية، صار معها التحقق من مصير البيوت يتم من بُعد، عبر شاشة الهاتف، ومن خلال مقاطع عابرة ربما تحمل جواباً حاسماً أو تزيد من القلق.
ومع استمرار التهديد الإسرائيلي للضاحية الجنوبية، الذي يأتي غالباً بصيغة إنذارات عامة تستهدف أحياء كاملة من دون تحديد مبانٍ بعينها، يعيش السكان حالة ترقب يومية معلقة بين احتمالين: بقاء المنزل أو تدميره. هذا الترقب لا ينفصل عن خوف دائم وقلق عميق من ضربة مفاجئة، جعل حتى العودة المؤقتة إلى الحي مغامرة غير محسوبة بالنسبة لكثيرين.
وفي ظل هذا الفراغ القاسي، تحولت مواقع التواصل الاجتماعي تدريجياً إلى ما يشبه خرائط حية للبيوت. لم تعد السوشال ميديا مجرد منصات لمتابعة الأخبار، بل صارت مساحة يتفقد فيها الناس شوارعهم من بُعد، ويبحثون في المقاطع المنشورة عن زاوية مألوفة لهم، عن محل اعتادوا المرور بقربه، عن شرفة تشبه شرفتهم، أو مدخل بناية يختصر لهم سؤالاً واحداً: "هل مازال كل شيء في مكانه؟".
لم تعد الفيديوهات مجرد محتوى عابر، بل تحولت إلى وسيلة متابعة يومية وأداة تطمين، وجزء أساسي من حياة النزوح نفسها. ثوان قليلة من تصوير عابر ربما تعيد الطمأنينة إلى عائلة كاملة، فيما يتحول غياب أي صورة عن شارع معين لساعات طويلة إلى مصدر قلق إضافي. كثيرون صاروا يعتمدون يومياً على صفحات لصحافيين أو مصورين يدخلون إلى الضاحية ويوثقون شوارعها. يتابعون المقاطع بدقة، يوقفون الفيديو عند لحظة معينة، يقربون الصورة، ويقارنون التفاصيل الصغيرة، على أمل أن يلمحوا ما يشير إلى أن المبنى مازال موجوداً.
بموازاة ذلك، بات هنالك سؤال واحد يتكرر يومياً بين الجيران والأصدقاء: "هل نشر أحدهم فيديو عن الضاحية اليوم؟". تتداول المقاطع بسرعة، ويعاد إرسالها عبر مجموعات العائلات والجيران، على أمل أن يظهر في أحدها شارع مألوف أو زاوية قريبة من البيت. ومع صعوبة الوصول المباشر، بدأ الناس يعتمدون أكثر فأكثر على معارف يدخلون إلى الضاحية لأسباب مختلفة. رسالة قصيرة تكفي أحياناً: "إذا مررت من الحي، هي يمكن أن تطمئنني على البناء؟". بعضهم يطلب صورة للمدخل، وآخرون يسألون عن الزجاج، أو عن المحال، أو حتى عن سيارات كانت مركونة قرب المبنى.
ومع مرور الوقت، أخذ بعض المصورين الذين يوثقون يوميات الضاحية يؤدون دوراً غير معلن، وصاروا، من دون قصد ربما، أشبه بـ"حراس المباني". يوثقون الشوارع والدمار والمفارق، من دون أن يعرفوا أن مقطع فيديو عشوائياً ربما يختصر ساعات طويلة من القلق لعائلة تنتظر خبراً.
تقول سنا، وهي نازحة من الضاحية الجنوبية وتتابع مقاطع "تيك توك" بشكل دائم: "عندما ألمح مقطع فيديو من الضاحية أتوقف عنده فوراً. أدقق فيه جيداً لعله يمر قرب بيتي لأطمئن". ومع استمرار التهديدات التي لا تحدد أهدافاً واضحة، صار كثيرون يكتفون بأمل واحد: أن يبقى البيت واقفاً، ولو كهيكل. أن يبقى جدار يمكن العودة إليه لاحقاً.
