تدفع الحرب بين إسرائيل وحزب الله، لبنان الهش، إلى حافة الانهيار، مما يزيد من حدة الانقسامات الطائفية والسياسية في ظل نزوح الشيعة وتفاقم العداء بين الحزب المدعوم من إيران، ومعارضيه، حسب تقرير لوكالة "رويترز".
ويرى محللون وشخصيات لبنانية من مختلف الأطياف السياسية، أن الصراع الذي أشعلته الحرب على إيران، هو الأكثر زعزعة للاستقرار بين الأزمات العديدة التي مر بها لبنان منذ الحرب الأهلية 1975-1990.
وهددت إسرائيل بتدمير جنوب لبنان -على غرار ما فعلت في غزة- واحتلاله. وهناك انقسامات حادة في لبنان حول أسلحة حزب الله، الذي يرفض التخلي عنها رغم جهود الدولة المستمرة منذ عام لنزع سلاحه سلمياً.
نزوح الشيعة
وأدى القصف الإسرائيلي وأوامر الإخلاء التى توجهها إسرائيل، إلى نزوح أنصار حزب الله الشيعة إلى مناطق يسكنها مسيحيون ودروز وآخرون يلوم الكثير منهم الحزب على شن حرب دعماً لإيران بعد 15 شهراً فقط من الحرب السابقة.
وتقوم السلطات المحلية بفحص النازحين الباحثين عن مساكن للإيجار خوفاً من وجود أي شخص بينهم قد يكون هدفاً محتملاً لإسرائيل.
وتتزايد التوترات بين حزب الله والحكومة. وحظر رئيسَا الجمهورية جوزاف عون، والحكومة نواف سلام، الجناح العسكري لحزب الله، ودعت الحكومة إلى إجراء محادثات مع إسرائيل، وطالبت سفير إيران بمغادرة البلاد.
وشبه القيادي في حزب الله محمود قماطي، الحكومة اللبنانية، بحكومة فيشي في فرنسا، التي تعاملت مع ألمانيا النازية خلال الحرب العالمية الثانية وقال: "فيشي التي كانت تحاكم المقاومين وتعدمهم إلى أن انتصرت المقاومة بقيادة (شارل) ديغول وأعدمت حكومة فيشي". وقال لوسيلة إعلامية لبنانية: "قادرين نقلب البلد... قادرين نقلب الحكومة... لكن قرارنا الهدوء والصبر على الداخل اللبناني" لكنه قال بعد ذلك إن تصريحاته أخرجت من سياقها. وقال النائب في كتلة "اللقاء الديموقراطي" النيابية، وائل أبو فاعور، أن التوترات الداخلية تتزايد بسبب الانقسامات السياسية حول الحرب والنزوح والخطاب العدائي من أكثر من طرف، مضيفاً أن هذا يزيد المخاوف بشأن الاستقرار الداخلي.
قنبلة موقوتة
وقال مسؤول أجنبي إن النزوح يؤدي إلى توتر العلاقات الطائفية وسيكون "قنبلة موقوتة" إذا لم يتمكن النازحون من العودة إلى ديارهم.
وعبّر النائب المعارض لحزب الله، من كتلة "القوات اللبنانية" البرلمانية، نديم الجميل، عن قلقه من أن إسرائيل تدفع الشيعة عمداً إلى أجزاء أخرى من لبنان لإثارة صدام مع طوائف أخرى. وقال الجميل إن التوتر "موجود بالفعل، لكن الشرارة لم تشتعل بعد، وأتمنى ألا تشتعل أبداً". وأضاف: "إذا بقي الإسرائيليون لفترة طويلة جداً في الجنوب، فسيكون ذلك كارثياً للجميع... لا يستطيع لبنان استيعاب مثل هذا النزوح للسكان". ودعا الحكومة اللبنانية إلى "نزع سلاح حزب الله وإنهاء هذه الحرب".
إسرائيل تنفي
ورداً على طلب للتعليق على اتهام إسرائيل بالسعي إلى إثارة التوترات الطائفية، لم يتطرق مسؤول إسرائيلي إلى السؤال مباشرة، لكنه قال إن الصراع الوحيد في لبنان هو ذلك الذي أشعلته جماعة حزب الله، وحث البلاد على طرد الجماعة.
وقال الجيش الإسرائيلي إنه يعمل حصراً ضد حزب الله، وإن أي شيء يقال عن أنه يعمل ضد مجموعة سكانية معينة هو "كذب وتضليل". غير أن مسؤولاً عسكرياً إسرائيلياً قال لـ"رويترز" إن أوامر الإخلاء صدرت فقط للقرى الشيعية في جنوب لبنان، وإن القرى المسيحية لا تزال مأهولة ولم تستهدفها القوات الإسرائيلية.
منطق طائفي
من جهته، قال حسن فضل الله، النائب في البرلمان عن حزب الله، إن بعض اللبنانيين يتعاملون مع قضية النزوح "بمنطق طائفي". وقال: "هذه مرحلة سنتجاوزها، لأن النازحين سيعودون إلى أرضهم وإلى ديارهم بمجرد وقف العدوان".
وفي مؤشر على حدة التوترات، اشتبك سكان منطقة غالبية سكانها من المسيحيين، شمالي بيروت، مع نازحين، وطالبوهم بالمغادرة يوم الثلاثاء عندما سقطت في المنطقة شظايا صاروخ باليستي إيراني جرى اعتراضه فوق لبنان.
وفي حي الدكوانة ذي الغالبية المسيحية، شرقي بيروت، يقيم حوالي ألفي نازح شيعي في كلية مهنية. وقالت زينب المقداد (50 عاماً) إن عائلتها لم تواجه أي مشاكل في الحي منذ نزحت من منزلها في الضاحية الجنوبية في الثاني من آذار الجاري.
وذكر أنطوان أبو عبود، وهو مسؤول محلي، أن ألف نازح آخرين يقيمون في فنادق ومساكن مستأجرة في الدكوانة. وتابع: "اليوم هناك أمر واقع، صار في حرب، صارت القصة أكبر منا. اليوم نحن لبنانية بدنا نتحمل بعض". وأضاف أن المجلس المحلي شدد إجراءات فحص الراغبين في استئجار المساكن، إذ ترسل بطاقات الهوية إلى الأجهزة الأمنية للتحقق منها، مشيراً إلى أن السكان يخشون "إذا اللي ساكن بيشكل خطر على البنية أو على حياته".
نهاية السلاح
ويعتقد حزب الله أن الحكومة ستتراجع في النهاية عن قراراتها، ومنها حظر جناحه العسكري. وقال النائب فضل الله إن جميع الإجراءات التي اتخذتها الحكومة ستلغى عندما تفشل إسرائيل في تحقيق أهدافها.
من جهته، قال النائب آلان عون، إن لبنان يمر بمرحلة انتقالية، وستحدد الحرب الشروط النهائية. وأضاف أن التعايش بين الدولة وسلاح حزب الله، المستمر منذ عقود، يقترب من نهايته بطريقة أو بأخرى، مع كل التداعيات المحتملة على المجتمع والنظام السياسي.
