البيان الموقع باسم "أهالي بلدة حبوش"، ضمن الحملة السياسية ضد الوزير فادي مكي، يعيد الى الذاكرة بياناً أصدره أهالي بلدة كوثرية السياد في العام 2006، ضد النائب غازي يوسف، على خلفية تسليمه للمبعوث الأميركي جون بولتون درعاً تكريمياً باسم قوى 14 آذار.
يعيد البيان الملتبس، ذاكرة سياسية بفارق 20 عاماً، تفرض على الشخصيات الشيعية العاملة في الشأن العام، الخيارات والسقوف ضمن محددات ترسمها غالبية شعبية، تتغذى من إيقاع الغضب في الشارع، وتزيح جانباً أي تمايز سياسي، حتى لو تم تبريره في بيان توضيحي.
سجّل وزير التنمية الإدارية فادي مكي، بحضوره جلسة مجلس الوزراء اليوم الخميس، موقفاً متمايزاً عن مواقف أربعة وزراء شيعة في الحكومة، قاطعوا الجلسة. نشطت حملة في مواقع التواصل الإجتماعي ضده، مما اضطره لإصدار بيان، قال فيه: "حضرتُ جلسة مجلس الوزراء رغم اعتراضي على قرار الخارجية، إيمانًا بضرورة انتظام العمل العام وتعزيز حضور الدولة في مواجهة العدوان الإسرائيلي".
بيانان.. واتهامات بالتخوين
لكن الحملة خرجت من إطار الانتقاد، الى ما وصفه ناشطون في مواقع التواصل، بـ"تخوين" مكي. سرعان ما عادت الحملة الى مسقط رأس مكي، حيث صدر بيان ممهور باسم "أهالي بلدة حبوش"، أعلنوا فيه "التبرؤ الكامل من المواقف والتصرفات الصادرة عن معالي الوزير فادي مكي، والتي نراها بعيدة كل البعد من المبادئ الوطنية والمسؤولية العامة، ولا تعبّر عن إرادة أبناء بلدتنا ولا عن تاريخها المشرف". كما قالوا إن "الوزير فادي مكي لا يمثلنا ولا يعكس توجهاتنا، ونشدد على ضرورة تحمّل المسؤولية ومحاسبة كل من يخرج عن الثوابت الوطنية".
البيان، تلاه بيان آخر، يشير الى انقسام في البلدة. فحمل البيان الثاني توقيع "أهالي بلدة حبوش" أيضاً، وأكدوا فيه أن "لا جهة أو مجموعة يمكنها اختزال بلدة بكاملها أو الادّعاء التحدث باسم جميع أبنائها"، داعين الى "التعقل والتماسك"، رافضين "أي خطاب تخويني أو محاولة للنيل من معالي الوزير فادي مكي أو التشكيك في وطنيته".
غازي يوسف وجون بولتون
يعيد البيان الذاكرة الى العام 2006، حين صدر بيان ممهور باسم أهالي "كوثرية السياد" بتاريخ 18 أيار/مايو 2006، موجه ضد النائب غازي يوسف، الذي كان نائباً عن بيروت في لوائح "تيار المستقبل" آنذاك. يومها، سلّم يوسف، المبعوث الأميركي جون بولتون، درعاً تكريمية باسم قوى 14 آذار.
على الفور، صدر بيان ممهور باسم أهالي كوثرية السياد، أعربوا فيه عن صدمتهم لذهاب ابن البلدة النائب غازي يوسف "لتكريم رأس الصهيونية في أميركا جون بولتون". وتساءل البيان الذي تحدث باسم البلدة: "كيف يسمح غازي اليوسف لنفسه بالذهاب إلى تكريم من كرس نفسه لخدمة الصهاينة وكيانهم الغاصب ضد العرب والمسلمين وخط المقاومة الشريفة في لبنان وفلسطين، كيف يسمح ابن كوثرية السياد التي قدمت الشهداء من أجل كرامة الوطن أن يذهب ويصافح هذا الرأس المجرم والمدافع عن إسرائيل الكيان الغاصب للأرض وبيت المقدس؟"
"أهالي" وبلدات وعائلات
التاريخ يعيد نفسه.. لكنه يكشف معضلة كبيرة في أدبيات العمل السياسي لدى الطائفة الشيعية. مصطلح الأهالي، الذي غالباً ما يتلطى خلفه "حزب الله" لمهاجمة شخصيات سياسية في موقع الخصومة، أو للاعتداء على "اليونيفيل" كما كان الأمر قبل العام 2023. مساحة التمايز السياسي داخل الطائفة، خصوصاً في المنعطفات، تبدو شبه غائبة... أو بالأحرى، ممنوعة، تحت ضغط الشارع و"الأهالي" المزعومين والعائلات، ويتم التعبير عنها بانتقادات في مواقع التواصل، كما كان الأمر قبل زمن الشبكات الاجتماعية، بالتعبير عنها في لافتات تُرفع في القرى.
هل أخطأ فادي مكي؟ هل أصاب؟ تلك أسئلة مرتبطة بالخيارات السياسية، وبوضعيته وموقعه.. وهي محل جدل في مواقع التواصل الاجتماعي أيضاً.. لكن الثابت أن الخروج عن قرار الغالبية الشعبية الشيعية (وهي غالبية مؤيدة للثنائي)، في المنعطفات السياسية، ستدفع بالشخصيات المتمايزة إلى الهامش السياسي، مهما تعددت الشخصيات والظروف.
