ثمّةَ معرفةٌ من طرازٍ خاصّ تتكوّن لدى من يعيش على تخوم الحرب. ليست معرفةَ الجنديّ عند خطوط الجبهة، تلك التي تسكن الجسد وتنبثق من ردود الأفعال الغريزية، بل معرفةُ الشاهد: ذاك الذي يرى كلّ شيء، ويفهم أكثر ممّا يُحتمل فهمُه، غير أنّه يظلّ عاجزاً عن تغيير أيّ شيء. معرفةُ من يستيقظ كلَّ صباحٍ ليجد أنّ العالم الذي يقيم في أعماقه لم يعُد يجد لنفسه مكاناً في تضاريس الواقع، كأنّ بينهما قطيعةً صامتة لا سبيل إلى ردمها.
أكتب من بيروت، حيث لا تبدو هذه المعرفة استعارةً بل تجربة يوميّةً معاشة، تتكرّر كلّ صباحٍ كأنّها قدرٌ ثقيل. وفي مثل هذه الأيام، كثيراً ما أجدني أستعيد أولئك الذين حملوا هذا العبء قبلي، وسكنهم هذا العجز زمناً أطول...ستيفان زفايغ، خليل حاوي، ليلى شهيد. ثلاثة مثقّفين، وثلاث حضاراتٍ، بدا في لحظةٍ ما، أنّها تميل ببطءٍ نحو الأفول. تفصل بين تواريخ رحيلهم عقود طويلة، غير أنّ هذه المسافات الزمنيّة تبدو واهيةً على نحوٍ غريب؛ كأنّ مصائرهم لا تنتظم في خطٍّ تاريخيٍّ متعاقب، بل تنتمي إلى اللحظة ذاتها: لحظة الشعور بانكسار العالم.
كتب أندريه مالرو ذات يوم: "لا ينتحر المرءُ إلّا ليوجد". عبارةٌ قاسية، تبدو للوهلة الأولى كأنّها استفزازٍ فكري. غير أنّها، حين تُقرأ في ضوء هذه السير الثلاث، تتحوّل إلى تشخيصٍ مؤلم لتلك اللحظة التي يغدو فيها الوجود ذاته سؤالاً مفتوحاً، لا يقبل التأجيل ولا يحتمل المواربة.
لم يكونوا ممّن تكسرهم الحياة بسهولة. تلك هي الحقيقة التي ينبغي إدراكها. فقد كانوا أصحابَ انضباطٍ فكريّ نادر، وصفاءِ رؤيةٍ لا يعكره الضباب، وإيمان عميق بأنّ العالم يمكن التفكّر فيه، ومناقشته، وكتابته، بل وحتى التفاوض معه ليغدو مكاناً أكثر احتمالاً. ما سحقهم لم يكن وهناً في النفس، ولا هشاشةً في الروح، بل ذلك التراكم البطيء للشواهد الدامغة؛ شواهدُ لا يجد لها العقل ردّاً، هو ذلك الاصطدام المروّع بجدار الحقيقة الأخير؛ حيث تكتشف الروح، في ذروة تعبها، أن الهوة بين عدالة الحلم وقسوة الواقع لم تكن مجرد مسافة يمكن قطعها بالكلمات، بل كانت عدماً يبتلع كل الحجج، كانت ارواحهم تصبو إلى "ما ينبغي أن يكون" فاصطدمت بما "هو كائن".
الجسد الذي نجا
كان ستيفان زفايغ، في حقبةٍ من الزمن، الكاتبَ الأكثر ترجمةً في العالم. كان تجسيداً لحلمٍ أوروبيّ بعينهِ: عالميّ الرؤية، إنسانيّ النزعة، متعددُ اللغات ومتعددُ الثقافات، مؤمنٌ بأنّ الحضارةَ ليست جنسيةً بل شعوراً — شيءٌ قابلٌ للحمل والنقل والدفاع عنه عبر الحدود والأجيال. حين صعد النازيون، غادر. ذهب إلى لندن، ثمّ إلى نيويورك، ثمّ إلى بيتروبوليس، بلدةٍ صغيرةٍ تربع على تلالَ ريو دي جانيرو، حيثُ رقد هو وزوجته شارلوت معاً، في 22 شباط 1942.
نجا جسده من غرف الغاز. لكنّ زفايغ أدركَ ما أبى كثيرٌ من المنفيين المتفائلين الاعترافَ به: أنّه لم ينجُ حقّاً. ذلك العالمُ الذي صنعه — ذلك المزيجُ الأوروبيّ الفريدُ من المقاهي وصالاتِ الحفلات والحواراتِ الأدبيّةِ عبر الحدود — كان قد اندثر. "عالم الأمس" ليس مجرد سيرة، بل هو رثاءٌ لحضارةٍ كُتِبَ وهو يدرك أنّه لن يجدَ من يتسلّمه، لأنّ الذين كانوا ليفهموه…قد رحلوا.
لم يمت هزيمةً، بل مات ببصيرةٍ ثاقبة، وفي ذلك فرقٌ جوهريّ. كانت رسالتُه الأخيرةُ هادئةً رصينةً؛ شكرَ أصدقاءه، وقال إنّه عاجزٌ عن الصبر على انتظار الفجر. كان على يقين أنّه لا فجرَ في الأفق لهذا العالم الذي عرفه. لم يكن يريد الموت، بل كان يريد الحياةَ في أوروبّا التي أحبّ. تلك الأوروبّا كانت قد اغتيلت قبله، فاختار ألّا يبقى في غيابها.
مسافة بين القصيدةِ والأرض
لم يشأ خليل حاوي هو الآخر البقاء، غير أنّ رفضَه كان أكثر عنفاً. في 6 حزيران 1982، وفيما كانت الدباباتُ الإسرائيليّة تجتاحُ لبنان، أدار حاوي مذياعَه، استمع إلى الخبر، وأطلق الرصاصة. كان في الستين من عمره، وكان واحداً من كبار شعراء العرب في القرن العشرين. وفي روايةِ فؤاد عجمي "قصر أحلام العرب"، يغدو موتُه شيئاً أكبرَ من سيرة فرد: إنّه انتحارُ حلمِ جيلٍ بأسره.
كان ذلك الجيل قد آمن — بل تحتم عليه أن يؤمن — بالنهضة العربية. لقد راهنوا بحياتهم الإبداعية على فكرة أن العالم العربي يمكن أن يجدد نفسه عبر الشعر والفكر والإرادة الوطنية والبعث الثقافي. كتب حاوي عن "القيامة" في أعماله لعقود؛ فقصيدته "لعازر 1962" تتخيل صحوة عربية من موت استمر قروناً. كان رجلاً يكتب الأمل كفعل سياسي، مدركاً أنّ الأدبَ ليس ترفاً بل عمادُ الوجود الحضاريّ. وبحلول العام 1982، أصبحت الهوة بين القصيدة والأرض بوناً شاسعاً لا يُردم. "قصر الأحلام" بُني على رغبة جامحة لدرجة أنها توهمت أنها التاريخ نفسه. وهنا يبرز الاختلاف عن زفايغ: حاوي لم يمت في المنفى، بعيداً عن الكارثة، لا محيطات ولا قارات تفصله عنها؛ بل واجهها في قلب بيروت نفسها، المدينة التي اجتاحتها الأهوال، بلا أي حاجز يقيه من اليقين النهائي.
لم يجد في المجاز متسعاً حين حاصرته الدبابات، فاستعاض عنه بالبندقية. موته لم يكن انهزاماً، بل كان طريقته في قول "لا". رفض أن يشهد النهاية وهو مكتوف اليدين، فكان انسحابه من الحياة هو صرخته الأخيرة المدوية في وجه الفصل الأخير..
الحجّةُ الأخيرة
كان حزنُ زفايغ نوستالجياً لحضارة انتهت، أما حزنُ حاوي فكان انكساراً لقوميةٍ بُعثت لتُصلب. وحملت ليلى شهيد، النسخة الثالثة من الأسى ذاته: موت الحلم المؤسساتي، الإيمان بأن القضية الفلسطينية يمكن لها أن تُقاد عبر القانون والدبلوماسية والضمير العالمي نحو عدالةٍ ممكنة.
عملت شهيد في مقام مختلف عن الرجلين. لم تكن شاعرة بل دبلوماسية، ولم تكن وسيلتها القصيدة بل الحجة. اتخذت من الحجة واللغة الفرنسية الرفيعة مِشرطاً لتشريح الرواية الصهيونية في عقر دارها. بصفتها أول امرأة فلسطينية تتقلد منصب سفيرة، كانت رصانتها الأسطورية درعاً لا ترفاً؛ ففي القاعات الباردة لبروكسل وباريس، كان "التلعثم" يعني السقوط من ذاكرة الضمير العالمي. لذا، صقلت لغتها لتكون قاطعةً كالسيف، ومهيبةً كجبل الكرمل، حاملةً أمانة شعبٍ حُرم من المنبر، فكانت هي صوته الذي لا يرتجف.
ثم وقع زلزال غزة، وهدم معه أعمدة المعبد الدبلوماسي الذي أمضت حياتها في ترميمه. رأت ليلى شهيد، في بثٍّ حيٍّ ومباشر، كيف يتفتت القانون الذي آمنت به تحت ركام البيوت، وكيف تُصبح الحجة لغواً أمام هول الإبادة. لم يكن يأسها سياسياً فحسب، بل كان وجودياً. فكلُّ ما جادلت من أجله لعقود، تبدّى في لحظة الحقيقة أمام تواطؤ العالم الذي ادعى يوماً أنه متمدن. وفي شباط 2026، في جنوب فرنسا، أسلمت ليلى شهيد الروح عن 76 عاماً. لم يكن المرض هو قاتلها الوحيد، بل كان لليأس السياسي دافع في رحيلها، انصهر الجسد المنهك بالحلم المكسور.
ما جمع هذه الحيواتِ الثلاثَ ليسَ الرغبةَ في الموت. هذا ربّما أهمّ ما ينبغي قولُه، وأكثرُ ما يسهل سوءُ فهمه. ليس هذا المقال احتفاءً برحيلهم، إنما إدانة للشروط التي جعلتْ ذلك الرحيلَ يبدو لهم، الملاذ الوحيد. لم يكن أيٌّ منهم يبحث عن عدمٍ؛ كلُّهم أمضوا عمرَهم يبنون ويحتجّون ويتخيّلون — يشيدون بصورٍ مختلفةٍ عالماً أكثر قابلية للعيش من ذاك الذي وُرثوه.
ما لم يعودوا يطيقونه هو ذلك الأسى الخاص بالشاهد المستبصر: أن ترى بوضوح، أن تعبّر بدقة، أن تقدم كل شيء — ثم تراقب ذلك كله وهو لا يحدث فرقاً. جملة مالرو تصيب مقتلاً: "المرء لا يقتل نفسه إلا لكي يوجد". لا يقتل نفسه يأساً فحسب، بل لكي يؤكد وجوده. ليعلن، في اللحظة الأخيرة، أن "ذاتاً" تملك قيماً ورؤية كانت هنا، ورفضت أن تتظاهر بغير ذلك.
لم يريدوا الموت، بل أرادوا العيش في عالم أقل عنفاً، أكثر حرية، وأكثر صدقاً — عالم يشبه ذاك الذي قضوا أعمارهم وهم يحاولون، بكل ما أوتوا، بناءه. المأساة ليست في أنهم فشلوا، المأساة هي أن العالم هو من خذلهم أولاً.
