ربَّيناكَ صغيراً "حزب الله"..لماذا أنكرتَنا؟

بتول يزبكالثلاثاء 2026/03/24
Image-1774303915
جدارية حسن نصر الله في بيروت (ليام مالوني/زوما)
حجم الخط
مشاركة عبر

لا ذَمَّ في هذا المقال، ولا صَلبَ للمصلوب أصلًا. هو نصٌّ مكتوبٌ من "زَعَلٍ" و"عَتَبٍ" كبيرَين. وربّما، ربّما، مراجعة شخصيّة لكلّ ما حدث ويحدث، وفي طور الحدوث. فلن تقرأوا، ولو أردتم، في هذا النّصّ، عباراتٍ من قبيل: "انتحر بنا حزب الله"، لأنّ الفأس في الرأس قد تموضعت لا محالة... أو "نتبرّأ من هذه الطائفة الشقيّة"، لأنّنا نحن أبناء هذه الطائفة قد دفعنا، بشكلٍ أو بآخر، فاتورة هذه الحياة الجامحة حتمًا.
***

"كنّا، إذ أردنا أن نُصلّي في جامع الضّيعة، نُخفي أحذيتنا، حينًا في حقيبة المدرسة، وطورًا في السراديب المخفيّة للجامع، كي لا يراها مسؤول حزب البعث العراقيّ ويشي بنا إلى أهلنا. لكن، عندما وصلت التعبئة الإسلاميّة إلى بعلبك، تغيّر كلّ شيء. صرتُ أركن حذائي إلى جانب أحذية رفاقي في التعبئة أمام باب الجامع، غيرَ آبهٍ بذلك المسؤول، بل كنّا ندخل صلاة الجمعة، ونستمع إلى خطبة إمام الجامع، بلا خوفٍ من تبعات ذلك. بل وزِد على ذلك أنّ أختي هي أوّلُ من ارتدين "التشادور" في بعلبك ومحيطها، في حين كانت نساء القرية يرتدين الـ mini-jupe والوشاح الخفيف الذي يُغطّي "ما للرّبّ ويترك الباقي للشّبّ".


"التعبئة الإسلاميّة جعلتنا أحرارًا في ممارسة تَشيُّعنا أمام طوفان البعث العراقيّ، فصارت مراسم عاشوراء تُمارَس جهارًا، لا خفيةً، وبات دعاء كُمَيل يصدح بكلّ شجونه في مختلف أرجاء الضّيعة، كلَّ ليلة خميس-جمعة. ومن منبر الجامع، بكلّ "حرّيّة"، كان حزب الله حركةً تحرّريّةً لنا في ظلّ انعدام كلّ الحرّيّات. هو الذي جعل "المرغوب" غيرَ محجوبٍ، كان يُحبّ فلسطين، ونحن نُحبّها. لم أنتسب إليه، لكنّه كان، في ذلك الوقت، يفتح لنا، نحن شبّان المنطقة الواقعة على هامش الدولة، جغرافيًّا ورمزيًّا، كلَّ الآفاق. لا أدري ما حصل له".


هكذا، يختصر لي والدي، الذي يُشارف على عامه الخمسين قريبًا، ما كان عليه "حزب الله" في أوّل نشأته وترعرعه في المدينة، الّتي يغلب عليها الطابع التعدّديّ والعلمانيّ بجرعاتٍ مقبولة، تحت جناح حزب البعث العراقيّ.


و"حزب الله"، الذي كان نافذةً لمئات الشبّان البعلبكيّين، والله أعلم، الشبان الّذين كانوا يعيشون على هامش الحياة، وهامش الفزع المُزمن من دوريّات حزبَي البعث العراقيّ والسّوريّ، والكرّ والفرّ الملازمَين لعلاقتهما، أتارح لهم النظر إلى عالمٍ جديدٍ، ثالثٍ، مفتوحٍ على كلّ الوعود الدينيّة، والأخلاقيّة، والاقتصاديّة، بل وحتّى القوميّة. عالمٌ يُمكنك أن تكون فيه شيعيًّا، وأن "تموت مواليًا لعليّ" من دون خوفٍ أو رهبة. عالمٌ يُمكن أن تلمس فيه هالة المهديّ، المُخلِّص، الذي سيبسط العدل على المعمورة، بعون هؤلاء الشبّان، جنود المهديّ، أحفاد بنت رسول الله.


احتضن أهل بعلبك، وشبّانها تحديدًا، حزب الله، منذ "صغره" حتّى صار كهلًا في الأربعينيّات من عمره، كهلًا متمرّدًا يصفهم أحيانًا بـ"خزّان الدّمّ"، وأحيانًا يتذكّر جميلهم فيصفهم "بأهل الكرم والنخوة". احتضنوا "حزب الله" بكافّة جوارحهم، بمالهم، ودمهم، وبيوتهم، وغالبًا بسمعتهم.
***
استقرّ والداي، مطلع الألفية الثالثة، في الضاحية الجنوبيّة لبيروت. هما الآن من الطبقة المتوسّطة، محدودا الدخل، لكنّهما تمكّنا من شراء شقّةٍ واسعةٍ ومقبولةٍ في مبنًى حديثٍ، براتبَين لتسديد أقساط قرض الإسكان، في منطقةٍ رائقةٍ ذات طابعٍ مسيحيّ، المريجة. شقّةٌ تُطلّ على غابةٍ من أشجار الحمضيّات، وإن أمعنتَ النظر قليلًا، بوسعك أن ترى البحر، أزرقَ ووضّاحًا، وتشمّ رائحة اللون الأخضر اليانع.
حتّى جاءت عمليّات البناء العشوائيّ بعد العام 2006، لتستبدل الغابة الصغيرة بغابةٍ إسمنتيّةٍ اتّسمت بعمرانها المُتشابه، المصبوغ غالبًا باللّون الأصفر الباستيل الذي يبهت بالتقادم.
لا أهمّيّة الآن لهذه التفاصيل، كما سيتبين لاحقًا.
ونظرًا لمحدوديّة الدخل، قرّر والداي أن يسجّلاني، أخواتي وأنا، في مدرسةٍ إسلاميّةٍ غير حزبيّة، لكنّها مُحزَّبةٌ إلى حدٍّ كبير.


في المدرسة، حيث كان هناك وجودٌ كبيرٌ لـ"حزب الله"، بدت رواية والدي، الّتي سمعتُها في صغري، معكوسةً. فبدأت الأمور، ومع بلوغي المراهقة، تتجلّى. فمثلًا، كلُّ الحديث عن التحرّر بات موضع شكٍّ شخصيٍّ لديّ، بعدما "استُشهِد" زميلي البالغ من العمر 14 عامًا في سوريا، وعُلِّقت له صورةٌ في حيّنا، ولا تزال حتّى اللحظة، إذا كان الحيّ ما زال موجودًا في الخريطة. أو بعدما صار دعاء كُمَيل، الذي تمرّد أبناء بعلبك على آبائهم لكي يسمعوه، فرضًا أسبوعيًّا. أو أن يصير "التشادور" والحجاب، بشكلٍ عامّ، هو المُسلَّم به، والمسموح حصرًا، وأن تصير اللّغة الفارسيّة هي "الترند" الأوّل، والمعيار الذي على "المثقّف" في المدرسة أن يحظى به...حتّى بات كلّ ما قيل صورةً متناظرة الانعكاس للواقع، صورةً معطوبةً لا تُشبه الحرّيّة المنشودة في مخيّلة أبناء بعلبك منذ عقدَين.


إنّه صباح 8 أكتوبر 2023. أنا صحافيّة، لم أعد طالبةً في مدرسةٍ إسلاميّة، ولا المُحجَّبة منذ عمر السابعة، ولا حتّى تلك الّتي قرأت "هِمَمُ فاتح القلوب"، الكتاب الذي وزّعته مكتبة المعارف الإسلاميّة مجّانًا للطّلّاب، للاقتداء به.

إنّه صباح 8 أكتوبر، أي المرّة الأولى التي أعيشها حربًا مع إسرائيل، أو أكون واعيةً فيها، طيلة أعوامي، الّتي كانت حينها عشرين عامًا. إنّه الصباح الذي لم أتفاعل فيه كما تفاعل من حولي. لم أبتهج بالإسناد، ولم أكن متحمّسةً للحرب الموشكة على الاندلاع، ولم أتطلّع قُدُمًا "للصلاة في القدس". كتبتُ حينها: "لا أريد الحرب، متخاذلةٌ أنا؟"

لا أعتقد.
***
والآن هي الحرب الثانية التي أعيشها في سنواتي الثلاث والعشرين، الحرب الثانية الّتي جعلت عمري كلَّه يتكثّف في سنوات ثلاث. ثلاث سنوات كانت كفيلةً بأن تجعلني أُحقّق الكثير، ثلاث سنواتٍ ونيّف، ضاعت بلا رجعة.
عاد والداي اليوم إلى بعلبك، بعدما بات بيت الضاحية، ومعه الضاحية كلها، غيرَ قابلٍ للسكن. عادا بعدما قُصف المبنى المقابل للبيت، والذي حجب نضرة البحر وزرقته لسنواتٍ طويلة. عادا إلى نقطة الصفر، بعد سنواتٍ من الشقاء والسعي الدؤوب، و"خير العمل".
 

مُجدّدًا، أستحضر قول الكاتبة الأميركيّة شارون سالزبورغ: "الحياة مثل المشكال المتغيّر باستمرار، تغييرٌ طفيفٌ، فتتغير الأنماط كلها".

كائنٌ ضئيلٌ، يتذبذب اعتباطيًّا بين توقيتَين في إطارٍ زمنيٍّ واحدٍ متخثّرٍ وبطيء، وعلى سيرته الملايين في هذه البقعة الضئيلة. صورٌ متناظرةُ الانعكاس بألوانٍ شاحبة، ونزعةٌ تشاؤم مُلحّةٌ، في عدسة مشكالٍ معطوب.
أتساءل: مَن عطب المشكال، فعطب أشكالنا وأنماطنا؟ مَن المسؤول عن كلّ هذا الخراب والفوضى السرياليّة والعبثيّة القاهرة؟ مَن الذي وضع مدينةً في قبضة الارتياب والحيرة؟
لا أحدَ مُداناً، صكوك البراءة تُوزَّع يساراً ويمينًا. يتحلّل الزمن، ويتكثّف، ويمتدّ كتثاؤبٍ طويل. وصلنا إلى التقاطع الحتميّ، إلى عمق الثقب الأسود الخاوي والكالح، انحدارٌ حرٌّ مستمرٌّ وأزليٌّ إلى ما دون الوعد المُنتظَر.

***
شاعت، مطلع القرن العشرين، في العراق وبلاد الشام، أُغنية "ربيتك صغيرون حسن". والحال، فإنّ الخيال الشعبيّ لسكّان المشرق العربيّ، خصبٌ في الرموز والكناية ورمسنة الشؤون والشجون الكثيرة. فكلمات الأغنيّة المذكورة (بقر واسع من العتب والملامة المنبلجين من ودٍّ عظيم)، نُسبت إلى مطربٍ بغداديٍّ حُرمَ الذرية، فاختار أن يتبنّى طفلًا. وطاف في محافظات العراق حتى عثر على صبيٍّ صغيرٍ يُدعى حسن، واسعَ العينين، مليح الطلعة، في كنفِ أسرةٍ شديدةِ الفقر، فأخذه وربّاه وأحسنَ تربيته. وحين شبّ الفتى وكبر، أخبره زملاؤه في الدراسة أنّ أباه ليس والده البيولوجي، فوقعت الحكاية في قلبه موقعًا جللًا. ثم صارح الرجلَ الذي ربّاه قائلًا إنّه ممتنٌّ له ولجميله، لكنّه عازمٌ على البحث عن أهله الحقيقيين. ومضى في طريقه، تاركًا وراءه قلبًا مكلومًا، حتى إنّ المطرب هجر الغناء من شدّة حزنه. ولمّا بلغ الخبر حاكم بغداد يومئذٍ، استدعاه. فلمّا دخل عليه، فوجئ بفرقةٍ موسيقيةٍ كاملة: عودٌ وقانونٌ وناي، ثم صدر إليه الأمر أن يغنّي. فما كان منه إﻻّ أن قال وأنشد: "ربيتك صغيرون حسن ليه إنكرتني؟".


وإذا استعرنا اليوم، نحن شيعةَ لبنان و"متواليه"، جملةَ المُطرب المزعوم، فقد يُسعفنا العَتَب، وقد نبتسم ابتسامةً ظافرةً لأنّنا عرفنا كيف نُعاتب "حزب الله" بكلّ جوارحنا الرمزيّة الّتي لا ينضب معينُها، ونفضنا عن أيدينا مسؤوليّةَ الدّمّ الشيعيّ النازف، وأشحنا نظرنا عن العاشوراء الشيعيّة المستمرّة منذ مقتلة الحسين حتّى اللحظة.


فلَئِن قلنا لـِ "حزب الله": "ربَّيناك صغيرًا، "حزب الله"، في عزّ عاشورائنا، وفي عزّ هامشيّتنا، وفي عزّ نخبويّتنا، واليوم أنكرتَنا، وعُدتَ إلى أهلك البيولوجيّين في إيران"، فلعتبنا المُستجدي والبائس كلَ الحقّ في التعبير عن نفسه، وزيادة. 
 

جاري التحميل...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث