الكحول والصالونات النسائية...دمشق تخشى تضييق المجال العام

مصطفى الدباسالاثنين 2026/03/23
Image-1774275630
لافتات تدعم الحريات الشخصية في اعتصام باب توما في دمشق (سوشيال ميديا)
حجم الخط
مشاركة عبر

احتشد مئات السوريين الأحد، في ساحة باب توما بدمشق، في اعتصام سلمي بدأ اعتراضاً على قرار محافظة دمشق تنظيم بيع المشروبات الكحولية، ثم تحول سريعاً إلى وقفة أوسع ضد ما يراه محتجون اتجاهاً متصاعدا نحو تقييد الحريات العامة والخاصة، وسط هتافات وكلمات شددت على وحدة السوريين ورفض تقسيم المدينة أو ضبط حياتها اليومية بمعايير دينية واجتماعية ضيقة.

وجاء الاعتصام بعد أيام من القرار رقم 311 م.ت الصادر عن المكتب التنفيذي لمحافظة دمشق، والذي حصر بيع المشروبات الكحولية بالمختوم في أحياء باب توما والقصاع وباب شرقي ومنع تقديمها في المطاعم والملاهي الليلية، مع تحويل رخص الحانات إلى رخص مقاه، في صياغة قرأها كثيرون بوصفها أكثر من إجراء تنظيمي، لأن القرار لم يفصل بين تنظيم المهنة وإعادة توزيعها على أساس جغرافي وديني، وهو ما فتح باباً واسعاً للقول إن العاصمة تدفع تدريجاً نحو فرز اجتماعي وطائفي مقنع بلغة الإدارة والآداب العامة.

وزاد الجدل مع منشور لوزيرة الشؤون الاجتماعية والعمل، هند قبوات، انتقدت فيه القرار ووصفت مسيحيي دمشق بالسكان الأصليين، وهو توصيف لقي ترحيباً من بعض المتابعين بوصفه دفاعاً عن تنوع المدينة، وأثار في المقابل اعتراضاً واسعاً لأن النقاش انتقل معه من رفض القرار، إلى سجال آخر حول من يملك الحق الرمزي في تمثيل دمشق، ومن يتكلم باسم تاريخها وسكانها في لحظة كان يفترض فيها أن يبقى النقاش محصوراً في معنى الحرية وحدود سلطة الدولة على الفضاء العام.

ورغم أن محافظة دمشق أصدرت السبت توضيحاً قالت فيه إن القرار تنظيمي بحت ويستند إلى مراسيم وقرارات سابقة، مؤكدة أنه لا يمس الحريات الشخصية وأنها ستعيد النظر في ذكر الأحياء الثلاثة الواردة فيه، فإن هذا التوضيح لم يبدد الغضب لأن المشكلة لم تعد في نص القرار وحده، بل في المنطق الذي أنتجه واللغة التي تكررت خلال الأشهر الماضية في قرارات مشابهة حين يجري تقديم التقييد بوصفه حماية للسلم الأهلي أو حفاظاً على الآداب، من دون أن يجيب أحد عن السؤال الأهم، وهو كيف يمكن لدولة تقول إنها خرجت من عهد الاستبداد أن تعيد بناء علاقتها مع المجتمع من بوابة الوصاية عليه.

وفي ساحة الاعتصام، حضرت هذه الفكرة بوضوح أكبر من أي نقاش آخر، فالكلمات التي ألقيت هناك لم تركز على الدفاع عن شرب الكحول بقدر ما ركزت على رفض التدخل في الحريات العامة والخاصة، وعلى التحذير من أن القمع لا يبدأ دائما بصورته المباشرة ويتقدم عبر قرارات صغيرة تعيد هندسة المجال العام خطوة بعد أخرى، تحت عناوين من نوع العادات والتقاليد والخصوصية، قبل أن يصبح الاعتراض نفسه موضع شبهة. 

ومن هنا أخذت كلمة امرأة محجبة حضرت تضامناً مع المسيحيين وضد أي تضييق على الحريات، صدى واسعاً في وسائل التواصل لأنها لامست جوهر الاعتصام، أي الدفاع عن حق السوريين في أن يعيشوا داخل مدينة واحدة، لا داخل مربعات يجري تعريفها مسبقا بحسب دين سكانها وطبيعة ما يسمح لهم به.

وفي مقابل هذا الخطاب، ظهرت قراءات أخرى ركزت على أن الاعتصام جرى بهدوء، وأن الأمن العام لم يتدخل ضد المعتصمين ووقف على جوانبهم وحمى المكان، واعتبرت ذلك مؤشراً مختلفاً عن زمن الاعتصامات التي كانت تنتهي بالخوف والاعتقال، غير أن هذه المقارنة لا تكفي وحدها لاحتواء معنى ما جرى لأن المسألة لا تتعلق فقط بأن يسمح للناس بالتعبير عن غضبهم من دون قمع مباشر، وإنما بطبيعة القرارات التي تدفعهم أصلاً إلى الشارع، وبصورة الدولة التي تتشكل في وعيهم من خلال هذا النوع من التدخل المتكرر في تفاصيل الحياة اليومية.

ولهذا،  بدا باب توما امتداداً لسلسلة أوسع من القرارات والإجراءات والوقائع التي راكمت شعوراً عاما بأن المجال العام في سوريا يسير نحو مزيد من التشدد، بدءاً من تعاميم اللباس والسلوك في بعض المؤسسات، إلى قرارات مرتبطة برمضان ووقائع اعتقال أو مساءلة بسبب المجاهرة بالإفطار، وتدخلات ذات طابع اجتماعي أو ديني في قضايا طبية ومهنية، وهي وقائع تلتقي كلها في أثرها السياسي، أي في إنتاج خوف متزايد من أن تتحول الدولة الانتقالية بالتدرج وباسم التنظيم إلى سلطة تراقب المجتمع أكثر مما تمثله.

وزاد هذا الخوف خلال الساعات الماضية مع تداول قرار آخر قيل إنه يمنع الحلاقين الرجال من العمل في صالونات النساء، ويمنع الصالونات المختلطة، وهو ما ولّد موجة غضب جديدة قبل أن يتبين أن القرار غير صحيح، إلا أن سرعة انتشاره وتصديقه على هذا النحو يكشف حجم القلق الذي يعيشه السوريون واستعدادهم النفسي لتصديق أي خبر من هذا النوع بعدما تراكمت الوقائع إلى حد جعل الشائعة نفسها قابلة للحياة داخل مزاج عام مأزوم يسأل كل يوم تقريبا ماذا يمكن أن يصدر غداً.

وبهذا المعنى لم يكن اعتصام باب توما دفاعاً عن حي مسيحي، ولا عن زجاجة كحول، وإنما اعتراضاً على طريقة إدارة المجتمع، وعلى خطاب رسمي يعتقد أن التفسير اللاحق لكل قرار يكفي لامتصاص آثاره، فيما تكشف ردود الأفعال أن أزمة الثقة أعمق بكثير، وأن جزءاً واسعاً من السوريين كان ينتظر بعد سقوط الأسد دولة مدنية توسع هامش الحرية، لا سلطة تعيد رسم الحدود بين المسموح والممنوع داخل الحياة العامة بلغة أخلاقية ودينية ملتبسة، وتترك الناس في كل مرة أمام السؤال نفسه، أي سوريا تبنى فعلاً ومن يقرر شكلها؟

 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث