غسان أبو ستة ينقذ أطفال بيروت: أجساد مزقتها الغارات

المدن - ميدياالسبت 2026/03/21
Image-1774095930
الدكتور غسان ابو ستة (غيتي)
حجم الخط
مشاركة عبر

يسابق الدكتور غسان أبو ستّة عقارب الساعة، من أجل إنقاذ أطفال مزّقت الغارات الإسرائيلية أجسادهم الصغيرة، منذ بدي الحرب في 2 آذار. وفي المركز الطبي للجامعة الأميركية في بيروت، تستقبل وحدة العناية المركّزة المخصصة للأطفال إصابات حرجة من أنحاء البلاد. وأمامها، يتضرّع آباء وأمهات يائسون من أجل نجاة فلذات أكبادهم.


خلال استراحة قصيرة بين عمليتين أعقبتا غارة اسرائيلية على قلب بيروت، أصابت ثلاثة أطفال بجروح بالغة، يقول أبو ستّة (57 عاما)، جراح الترميم لـ"فرانس برس": "أصيبت طفلة في الحادية عشرة بشظية في البطن وبُتر جزء من قدمها، لكن وضعها الآن مستقر". 
وتجاوز عدد الضحايا في لبنان منذ بدء الحرب عتبة الألف قتيل، بينهم 118 طفلا على الأقل، وأصيب 370 طفلا آخر بجروح، وفق الحصيلة الأخيرة لوزارة الصحة اللبنانية.

Image-1774095779
طفل يعاين دمار منزله بغارة إسرائيلية (غيتي)

إصابات الأطفال

ويعدّد أبو ستّة، الطبيب الفلسطيني البريطاني، من بين الإصابات التي يعاينها يوميا: أطراف ممزقة، إصابات في الرأس، شظايا في العيون والوجوه، كسور متفرقة وأنسجة متضررة. ويشرح الطبيب الذي طاول الشيب ذقنه وتحيط هالات سوداء بعينيه، أنه قد يعاين "ذلك كله لدى طفل واحد.. ما يعني أنه سيخضع لعمليات كثيرة". ويتحدث، بينما ترتسم ملامح الإرهاق على وجهه، عن ثلاث شقيقات وصلن الى المستشفى قبل أسبوعين. ويقول: "إصاباتهن حرجة للغاية، كان عليّ إدخالهن إلى غرفة العمليات كل 48 ساعة (...) لإزالة أكبر قدر من الأنسجة الميتة وتنظيف الجروح ليصبحن في مرحلة لاحقة جاهزات للجراحة الترميمية.
 

ليسوا أرقاماً
ليست هذه أول مرة يتعامل فيها أبو ستّة مع حالات مماثلة، بعدما كرّس حياته لعلاج الجرحى المدنيين جراء الحرب التي تعصف بدول عدة في الشرق الأوسط، ويصفها بـ "مرض متوطن" في المنطقة. لكن "لا يمكن التأقلم أبدا" مع معاناة الأطفال الذين يدفعون ثمنا باهظا في تلك الحروب. ويقول "لا ينبغي أبدا أن يصبح الطفل بلا هوية وأن يتحول مجرّد رقم" في حصيلة ضحايا. 

Image-1774095897
الدكتور غسان ابو ستة (غيتي)

منذ 1991

تعود تجربته الأولى مع النزاعات الى العام 1991، حين كان طالباً في اختصاص الطب. عاين حينها آثار الدمار إبّان حرب الخليج الأولى بعد انسحاب القوات العراقية من الكويت، حيث وُلد لأب فلسطيني لاجىء من غزة وأمّ لبنانية. وسرعان ما أصبح ذلك بمثابة رسالة. بعد تخرّجه من بريطانيا، توجّه الى غزة خلال الانتفاضة الأولى التي بدأت العام 1987 وامتدت حتى 1993، ومنها الى جنوب لبنان الذي قصفته اسرائيل العام 1996، ثم العراق واليمن، وكان يواظب على العودة الى قطاع غزة بعد كل جولة حرب بين حركة حماس الفلسطينية والجيش الاسرائيلي.


في العام 2023، نجا أبو ستّة بأعجوبة من هجوم اسرائيلي على أحد مستشفيات القطاع، حيث أمضى 43 يوماً عقب الهجمات الانتقامية الإسرائيلية التي أعقبت هجوم حماس ضد الدولة العبرية في السابع من تشرين الأول/اكتوبر. ويجد الطبيب الذي يعمل بلا كلل أوجه مقارنة بين ما حصل في غزة وما يجري راهناً في لبنان الذي يبدو اليوم "نسخة مصغرة من غزة"، بحسب قوله. ورغم أن حصيلة القتلى ما زالت أدنى بكثير، فإن المستشفيات والعاملين في القطاع الصحي لم يبقوا بمنأى عن الهجمات الاسرائيلية الأخيرة على لبنان.

 

 رعاية طويلة الأمد
منذ بدء الحرب، تشنّ اسرائيل غارات تتركز على ضاحية بيروت الجنوبية وجنوب البلاد، وهي مناطق شملتها إنذارات متكررة وجهها الجيش الإسرائيلي الى السكان للإخلاء. ويوضح أبو ستّة أنه في ضاحية بيروت الجنوبية: "خسرنا أربعة مستشفيات، ضمّ أحدها وحدة عناية مركزة كبيرة للأطفال" جراء اخلائها تحت وابل القصف. ويضيف: "يستهدف الإسرائيليون سيارات الإسعاف، ما يعني أن نقل أطفال من مستشفى الى آخر في النبطية (جنوب) أو في البقاع (شرق) خطر للغاية. يمكن أن يحصل ذلك خلال النهار فقط، ويستغرق وقتاً طويلاً". 

Image-1774095854
طفل يعاين دمار منزله بغارة إسرائيلية في شرحبيل بمحيط مدينة صيدا (غيتي)

وأحصت وزارة الصحة استشهاد 40 عاملا في القطاع الصحي وإصابة 119 آخرين بجروح منذ بدء الحرب، التي تسبّبت كذلك بإغلاق خمسة مستشفيات، وفق وزارة الصحة.
 

الحرب تدمر العائلات

في العام 2024، أطلق الطبيب المقيم في بيروت منذ سنوات، "صندوق غسان أبو ستة للأطفال"، ومهمته تقديم العناية الطبية لأطفال من غزة ومن لبنان، ومتابعة رعايتهم حتى بعد خروجهم من المستشفى. ويروي أبو ستة أن أحد أصغر مرضاه وهو طفل في الرابعة، قُتل والداه وإخوته الثلاثة في الأيام الأولى من الحرب، وقد بُترت رجله وأصيب بجروح في رأسه ويحتاج الى متابعة جسدية ونفسية مكثفة في المدى الطويل. ويسأل: "من سيتولى رعايتهم بعد أن يعودوا إلى منازلهم؟"، قبل أن يوضح "يتحدّر كثر من أوساط فقيرة ولا تتوافر لديهم سبل للتعامل مع كل ذلك". ويضيف: "ليس الجسد وحده ما يُدمر، بل الأسرة بأكملها" بفعل الحرب.

 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث