مرة أخرى تحميني أمي...بغيابها

رولا الحسينالجمعة 2026/03/20
Image-1774000105
حجم الخط
مشاركة عبر

شاركني البارحة أحد الأصدقاء رابطاً إلكترونياً يطلب تاريخ ميلادي ليحسب كم سنة من عمري أمضيتها في الحرب. لم أجد أن النتيجة دقيقة فتجاهلتها وأعدت الحسابات لتشمل فقط حروب لبنان، فلم تقلّ عن 15 سنة، أي ما يوازي 34% من سنوات عمري.

 

مناسبات سنوية كثيرة حافظت على مكانتها ضمن سنوات عمري وعمر من في جيلي (وقبل جيلي وبعده، لكنهم ليسوا موضوعي الآن)، من أهمها عيد الأم الذي كان محطة أساسية توقفنا عندها منذ ولدنا ومنذ عرفنا أن للأم عيداً، ولم تتزعزع مكانته في فترات الحروب. مرّ 48 عيد أمّ خلال تواجدي على سطح هذا الكوكب، منها 15 على الأقل خلال فترات الحروب... حروبنا مع إسرائيل وحروبنا الأهلية. 

 

أنتبه الآن وأنا أكتب كلمة "حروب أهلية" أن كلمة "أهلية" حميمة جداً ومطمئنة ودافئة، لكنها تخسر كل تلك المعاني بعد أن تلحق بـ"حروب". يصبح التعبير متناقضاً. كلمة تلغي الأخرى وتحل مكانها الحيرة التي سترافقني على أقل تقدير خلال كتابتي لبقية هذا النص، فما بالك إذا كنت أكتب عن "أعياد الأم" وبالتالي "الأم" في "الحروب" التي كانت بجزء كبير منها "أهلية"!

 

الحروب السابقة التي عشناها – وتحديداً الأهلية  منها – امتدت لسنوات، لكنها لم تمنعنا من الاحتفال بكافة الأعياد، وبالتالي احتفلنا بكل أعياد الأم طيلة سنوات الحروب. أذكر أننا، نحن الأولاد، لم نكن فقط نشتري هدية لأمّنا، بل أيضاً لجارتنا "أم علي" التي تقع شقتها فوق شقتنا في المبنى الذي ولدنا فيه في حارة حريك، وعشنا فيه لسنوات طويلة حتى 2006. وأولاد "أم علي" كانوا يشترون هدية لأمّنا. طقسُ لا أذكر مَن أطلقه، لكننا اعتدنا ممارسته تقديراً للعلاقة بين الأمَّين وبين العائلتين الجارتَين. وهديتنا لأمّنا كانت دائماً تتضمن باقة ورد وقالب جاتو يحضره الأب. أما الهدية فنتشارك نحن الأولاد الادخار لها على مدار أشهر من مصروفنا البسيط، كهديتنا البسيطة واحتفالنا البسيط بالعيد.

 

لكن عيد الأم لم يكن فعلاً عيداً في منزلنا، ليس بسبب الحرب التي كنا ننساها أصلاً، أو بالأحرى كوننا ولدنا في خضمها لم يكن لدينا ما هو أفضل لنقارنها به، وبالتالي كانت الحرب ونسيج أيامها هي الأيام العادية. لم يكن عيد الأمر عيداً حقيقياً في بيتنا، لا خلال الحرب ولا بعدها، ببساطة لأن أمي لم تكن تحب هذا العيد، فقد خسرت أمها وكانت لا تزال ابنة 29 عاماً، وكانت أمها في الـ45 من عمرها. بل توفيت جدتي في شهر عيد الأم، في اليوم الأخير من آذار. عرفت جدتي لمدة 6 سنوات فقط، أي سنواتي الأولى في هذه الحياة، وكان دورها في حياتي وحياة أخوتي أكبر من دور أمي التي حاولت، في صغرنا، أن تخفي حزنها الذي يتجلى بأوضح صوره في يوم عيد الأم، ومع مرور السنوات وتقدّمنا في العمر لم تعد تهتم لإخفاء كرهها لهذا العيد، ومَن يلومها؟

 

دموع أمي كانت تنهار في أي يوم، وعند مشاهدة أي مشهد تلفزيوني يرتبط بالأمومة. ورغم أن هذا الحزن شكّل لنا إرباكاً، إلا أننا لم نتوقف عن محاولة الاحتفال بالعيد، ولو كنا نعلم أنها محاولات مجهضة سلفاً. حاولنا تعويضها بكل الطرق، لكننا كنا مدركين أن شيئاً لن يعوض خسارتها. 

 

لا أتذكر الكثير عن الفترة التي كنت أحب فيها عيد الأم، لأنها كانت قصيرة وصارت بعيدة. أذكر فقط أنه عيد مزعج لي، بل منفّر، بسبب كل الكليشيهات المرافقة له. لكن هذا ثانياً. أما أولاً، فطبعاً لما كان يسببه من ازعاجٍ لأمي، فانتقل ككثيرٍ من الأمور التي انتقلت منها إليّ بشكل تلقائي، علماً أني لم أتوقف عن شراء الهدايا لها في عيد الأم، ما عدا آخر عيد لي معها، كنت قد صرت أكرهه بدرجة كرهها له، لأني عرفت أنه سيكون الأخير لها معي... ومعنا. 

 

في الحروب القديمة، كنا صغاراً، وكانت أمهاتنا ما زلن بكامل همتهن وصحّتهن وجمالهن، وكنّ يشرفن حتى على عيد الأم الذي يفترض أن يكون مفاجآتنا لهن. أحياناً، كنّ يحضرّن قوالب الجاتو بأنفسهن، مع طبقة كريمة وزينة ملونة منثورة على الكريمة. في الحروب القديمة كانت أمهاتنا يهتممن بنا، يحملننا، يحزمن حقائبنا، يقلقن علينا، يحميننا ويصرخن فينا خوفاً.

 

في هذه الحرب نحن أمهات أمهاتنا، نقلق عليهن ونحميهن وننقلهن إلى مكان آمن ونسعى لتأمين أدويتهن. نطمئنهن ونشفق على وضعهن وكل ما سيضطررن لاحتماله مجدداً. نعتذر منهن لأننا لم نستطع أن نجنبهن مهانة ترك منازلهن. في هذه الحرب نقف أمامهن عاجزين، كما وقفن أمامنا عاجزات مراراً في الحروب القديمة. 

 

في هذه الحرب التي يقع عيد الأم في قلبها، أول ما أشعرني بالراحة، وبلا حرج، هو أن أمي ليست معنا. كأنها غادرت لتجنبني الشعور بالعجز ولتساعدني على النجاة من دون قيود تثقل حركتي، وقبل أن تضطرني إلى حملها على مغادرة بيتها. حتى صُورها كانت مرتبة في ألبوم جاهز ينتظر مرافقتي في الرحيل. في هذه الحرب، حمتني أمي مرة أخرى... كما حمتني في الحروب وأنا صغيرة.

 

 

 

جاري التحميل...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث