للطغاة أمهات أيضاً

نسرين النقوزيالخميس 2026/03/19
Image-1773945041
"الرفيق ستالين مع والدته"، للفنان السوفياتي الجورجي أبولون كارامانوفيتش كوتاتيلادزه، 1930
حجم الخط
مشاركة عبر

"انهضن إذن...يا نساء هذا العصر! انهضن جميعًا، كل النساء اللواتي لديهن قلوب، سواء كان تعميدنا بالماء أم بالدموع. لن نقبل أن تُحسم القضايا الكبرى بوسائل لا تعنينا. لن يعود أزواجنا إلينا ملوثين برائحة المجازر كي نستقبلهم بالمديح والعناق. ولن يُؤخذ أبناؤنا منا ليتعلموا نسيان ما حاولنا أن نعلّمهم إياه من الرحمة والشفقة والصبر. نحن، نساء بلدٍ ما، لن نسمح أن يُدرَّب أبناؤنا على إيذاء أبناء نساء بلدٍ آخر".

 

بهذه الكلمات بدأت الناشطة والكاتبة الأميركية، جوليا وورد هاو، العام 1870، خطابًا سيُعرف لاحقًا باسم "إعلان عيد الأم". لم يكن خطابًا احتفاليًا، ولا دعوة لشراء الزهور أو إرسال البطاقات. كان صرخة سياسية وإنسانية في آن. جاءت الكلمات بعد حربين دمويتين: الحرب الأهلية الأميركية والحرب الفرنسية-البروسية، اللتين خلّفتا آلاف القتلى وعائلات مفجوعة. ما رأته هاو آنذاك دفعها إلى طرح فكرة مختلفة: أن تتّحد النساء، وخصوصًا الأمهات، لرفض الحروب التي تسرق أبناءهن.

 

في ذلك النص، دعت هاو إلى يوم عالمي للأمهات من أجل السلام. يوم تجتمع فيه النساء للحزن على الضحايا أولًا، ثم للتفكير معًا في كيفية منع الحروب المقبلة. كانت فكرتها بسيطة ومباشرة: الأمهات، بحكم تجربتهن الإنسانية، يعرفن أكثر من غيرهن ثمن العنف. لذلك اعتقدت أن لهن دورًا أخلاقيًا في التأثير في مجتمعاتهن، وفي المطالبة بعالم أقل قسوة. لم ينجح اقتراحها في أن يصبح تقليدًا عالميًا في ذلك الوقت. 

 

لكن بعد أكثر من ثلاثين عامًا، ستأتي امرأة أخرى، آنا جارفيس، لتؤسس عيد الأم بالشكل الذي نعرفه اليوم، في الولايات المتحدة أولًا ثم في معظم دول العالم. لكن العيد الذي انتشر لاحقًا حمل معنى مختلفًا: مناسبة للاحتفال بالأمهات وشكرهن، أكثر منه يومًا للاحتجاج ضد الحروب. ومع ذلك، بقيت الفكرة الأولى التي طرحتها جوليا وورد هاو حاضرة في الخلفية: العلاقة العميقة بين الأمومة والحياة، وبين الأمومة ورفض العنف.

 

إذا تمعّنا قليلًا في معنى هذا العيد وتاريخه، وفي ظل ما تمرّ به المنطقة من أزمات وحروب، يظهر السؤال بطريقة أكثر إلحاحًا. الحروب التي تهزّ العالم اليوم تُدار في معظم الأحيان بقرارات رجال، رجال يجلسون حول طاولات سياسية أو عسكرية ويقرّرون مصائر مدن وشعوب. وبين القرار ونتيجته، تمتدّ مسافة طويلة من الخسارة الإنسانية التي لا تُقاس بالأرقام وحدها.

 

في لحظات كهذه، يخطر سؤال بسيط: هؤلاء الرجال الذين يقودون الحروب، ألم تكن لهم أمهات؟ أم أنهم وُلدوا فجأة من رحم الشرّ؟ سؤال ليس بريئًا تمامًا، لأن الحرب تكشف مفارقة مؤلمة: في كل حرب هناك أمهات في موقعين مختلفين تمامًا، متضادَّين. هناك أمهات القادة الذين يملكون سلطة القرار، وأمهات الضحايا الذين يدفعون الثمن.

Image-1773945186
الطفل أدولف هتلر ووالدته كلارا

أحيانًا يخطر لي أن أبحث قليلًا في سير هؤلاء الرجال الذين غيّروا مصائر شعوب كاملة. ماذا نعرف عن أمهاتهم؟ كيف كنّ؟ ماذا أردن لأبنائهن حين كانوا صغارًا؟

 

كتب المؤرخون كثيرًا عن أمهات القادة. أمّ ستالين، كيتيفان غيلادزه، كانت امرأة فقيرة عملت خيّاطة وكانت تحلم أن يصبح ابنها كاهنًا. أمّ هتلر، كلارا هتلر، كانت شديدة التعلّق بابنها، تحيطه بعناية كبيرة. في سِير هؤلاء الرجال، تظهر الأمهات غالبًا كنساء عاديات، قلقات على أبنائهن مثل أي أم أخرى، لا كنساء يربين طغاة.

 

منذ فترة قصيرة، شاهد العالم كله أمّاً في غزة تقف أمام الكاميرا بعدما فقدت أبناءها. قالت جملة صغيرة بقيت عالقة في أذهان كثيرين: "ماتوا من غير عشا". لم تكن خطبة ولا شعارًا سياسيًا. كانت جملة أمّ لا تستطيع أن تفكر إلا بتفصيل صغير جدًا: أن أبناءها لم يأكلوا قبل أن يموتوا. هي تصرخ، تنتحب وأنا  أفكر مع اقتراب عيد الأم، بأمهات الطغاة: هل يتململن في قبورهن ويشعرن بأقذع الشتائم التي ترمى على أبنائهن من جميع أمهات العالم؟

 

 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث