يتصادم رأيان في النقاشات المتصلة بالتضامن مع قناة "أم تي في" بعد تعرض موقعها الإلكتروني لهجوم سيبراني، على خلفية تقرير تلفزيوني في نشرة الأخبار، حددت فيه مواقع جغرافية لسجون مزعومة يديرها "حزب الله" في الضاحية الجنوبية، قبل أن تستهدف إسرائيل أحد تلك المواقع بعد أربع ساعات على بثّ التقرير.
يقول الرأي الأول إن ما تعرضت له "أم تي في" هو إعتداء على حرية الرأي والتعبير، ومحاولة ترهيب الاعلام والصحافيين، واعتداء على استقلالية الصحافة وحق النشر.. وبالتالي، فإن التضامن واجب.. وهو ما عبرت عنه قوى وشخصيات سياسية معارضة لـ"حزب الله"، وفي طليعتها "القوات اللبنانية" و"الكتائب اللبنانية" و"الأحرار".
في المقابل، دعم مناصرون لـ"حزب الله" الهجوم السيبراني على القناة، باعتباره "رد فعل على فعل". ويقول هؤلاء إن القناة "وصلت بالتحريض الى ذروته، حين (اختلقت) قصة السجون، ونشرت احداثيات مزعومة، بما يمنح العدو المبرر السياسي لقصف تلك الاهداف، ومواصلة القتل والتدمير".
أسباب سياسية
ينطوي كل من الرأيين على وجهة نظر مختلفة، فيها شيء من الصحة، لكنهما يسقطان من النقاش أن التقرير، والاستهداف الرقمي بعده، ثم الحملة الالكترونية وحملة التضامن، هي سياسية، ناتجة عن تصادم خيارين سياسيين، ظهرت معالمه من هويات المنخرطين في الحملات. فمن تضامن مع "أم تي في"، هم قوى سياسية معارضة لـ"حزب الله"، ويغلب عليها الطابع المسيحي.. أما الحملة المقابلة ضد "ام تي في"، فيتصدرها ناشطون مؤيدون لـ"حزب الله"، ومتعاطفون معه.
واستناداً الى تلك الحسابات السياسية، يجد كل طرف ما يخفي حملته تحته. فالقوى السياسية المتضامنة مع "ام تي في"، تحدثت عن حريات الرأي والتعبير والنشر الصحافي والاستقلالية، بينما أخفى مناصرو "حزب الله" الجانب السياسي تحت قضية الاعتداءات والقصف الاسرائيلي على الضاحية، وانكشاف الضاحية ومنع العدو الذرائع.
في الواقع، الجانبان غير مقنعَين بأسبابهما. فالقناة ليست مغلولة اليدين في التعبير عن رأيها وموقفها وصياغة المواد التي تنشرها.. كما أن إسرائيل، يُفترض أنها لا تحتاج الى معلومات من قناة تلفزيونية لتنفيذ اعتداءات، ولو أنها تستفيد منها لتبرير القصف وإشعال نار الفتنة بين اللبنانيين..
اصطفاف ضد "حزب الله"
ثمة صراع سياسي حاد في البلد. إختارت "أم تي في" أن تكون جزءاً منه بمواجهة "حزب الله" عبر اصطفاف سياسي، ويمكن أن يلتقي مع خطاب الدولة اللبنانية حين تتخذ إجراءات ضد الحزب، أو يتنافر معه حين لا ترتضي القناة أو تقتنع بتدابير الدولة.. وقد حصل ذلك فعلاً حين شنت القناة هجمات اعلامية على وزراء أو مسؤولين بذريعة عدم القيام بما يكفي ضد الحزب، أو بحجة التماهي معه.
وفي المقابل، خسر "حزب الله" منذ الحرب الماضية، أي وسائل إعلام غير حزبية، حتى تلك التي ارتبطت بعلاقات وثيقة مع الحزب، مثل قناة "الجديد".. ولم يجد سوى مغردين في مواقع التواصل يتبنون سرديته.. لذلك، يشعر الحزب بأن عزلته تزداد في الداخل، وتتفاقم بحملات إعلامية تترافق مع الإجراءات السياسية والعسكرية الداخلية والحرب الاسرائيلية، وتستهدف الحملات الاعلامية "تشويه صورته"، عبر "الفبركة والتزوير" المزعومَين، وهو ما يواظب مسؤولون في "حزب الله" على قوله منذ 7 سنوات على الأقل، ويزداد ترداده الآن.
تشويه سمعة
ومع أن "أم تي في" لا علاقة لها بعزلة الحزب، إلا أنها متهمة بـ"تشويه الصورة"، كما يقول مسؤولو الحزب، كما أنها متهمة بـ"التحريض" و"التواصل مع العدو"، حسبما ما ورد في إخبار قدمه عدد من المحامين للقضاء اللبناني.
ويذهب مغردون مناصرون لـ"حزب الله" أبعد من ذلك، بالقول إن ما تقوم به المحطة عندما تشتعل الحرب، لافت جداً بتوقيته، في إشارة الى استغلال القتال لتغذية الحملات الداخلية والخارجية ضد الحزب. فيما يرى مناصرو حرية التعبير الإعلامي وقناة "إم تي في" إن قضية سجون حزب الله قضية "قديمة ومعروفة"، وأنه كان الأجدر بمن يتقدمون بدعوى عبر القضاء أن يلتفتوا إلى هذه المسألة، بدلاً من استهداف الوسيط الإعلامي الذي لا تنتظره إسرائيل لتقصف حيثما تختار.
والحال أن ثمة مشروعين في لبنان. فريق يعتبر أن القتال ضد إسرائيل فرصة لتحسين الشروط وتعويض الخسائر السياسية الناتجة عن نتائج الحرب الماضية، منذ وقف اطلاق النار في 27 تشرين الثاني.. وفريق يرى في الحرب فرصة لتحقيق المكاسب السياسية تحت النار.. وبين الخيارين، تخرج الذرائع التي يبحث عنها القائمون على الحملات، لتغطية أهدافهم.
