لم تستقر مداولات مواقع التواصل الإجتماعي منذ ليل الجمعة، حول مجريات المعركة الدائرة في مدينة الخيام، وتتنازع فيها سرديات النصر والهزيمة، لكنها تجافي واقعاً يتصل بتاريخ المدينة التي يحتفظ فيها الإسرائيليون لثأر قديم، يعود الى العام 1948 حين كانت ملاذاً للمقاومة العربية، وبعدها باتت مركزاً للفدائيين الفلسطينيين.
وعلى وقع الانفجارات وأصوات الرصاص، يتحدث معارضو "حزب الله" عن "خسارة الخيام" في التوغل الخامس في محاولة للسيطرة عليها.. وفي المقابل، يتحدث مناصرو "حزب الله" عن "التحام" و"مواجهات مباشرة من المسافة صفر"، و"تصدّ للقوات الغازية"، وأن التقدم لم يتخطّ ساحة البلدة.
أهمية استراتيجية ورمزية
وتُعدّ معركة الخيام من أبرز المعارك في الجنوب التي تستعد القوات الإسرائيلية لخوضها، فهي من الناحية الاستراتيجية تتمتّع بمساحة شاسعة مترامية الأطراف باتجاه الغجر والوزاني، وتقع جغرافياً على مرتفع مُطلّ على أصبع الجليل، وتُعدّ نقطة اتصال مع الجولان والأردن والجليل الفلسطيني.
ومن الناحية الرمزية، هي أول مدينة تسعى إسرائيل للسيطرة عليها، بعد أربع محاولات سابقة، وعشرات الغارات الجوية وقذائف المدفعية التي استهدفتها.
أربع جولات من التدمير
والخيام، التي تعرضت للتدمير أربع مرات منذ العام 1948، هي آخر تجمع شيعي ثقيل من الناحية الديموغرافية من الحدود الجنوبية إلى العمق اللبناني، وتحاذي تجمعات ديموغرافية أخرى من المسيحيين والدروز والسنَّة، وهو ما جعلها نقطة استقطاب للمقاتلين العرب ضد إسرائيل منذ الأربعينات، ونقطة اشتباك دائمة مع إسرائيل منذ ذلك الوقت.
مركز "جيش الإنقاذ"
اختبرت الحصة الأكبر من اعتداءات القوة الجوية لدى عصابات (الهاغاناه)، في العام 1948، كونها كانت أحد أكبر مراكز جيش الإنقاذ، الذي جمع متطوعين من كل الجنوب وحوران السورية التي شاركت بـ(كتيبة مجدل شمس) و(كتيبة دير الزور) بقيادة عبد السلام العجيلي، وذلك بعد تراجع "الإنقاذ" من بنت جبيل، بدءاً من 15 حزيران 1948.
وساهم التدمير والقتال فيها بإنتاج طوفان الهجرة إلى بيروت، خصوصاً بعد سقوط فلسطين، وإغلاق أكبر ميدان عمل أمام أهالي جنوب لبنان، وإقفال سوق الجنوب في مرجعيون وبنت جبيل والخيام، وموته.
مركز قوات "سعد حداد"
تزايدت أهداف إسرائيل العسكرية في المدينة. وفي أيلول 1977، تقدمت القوات الإسرائيلية إليها، واندلعت اشتباكات كبيرة شاركت بها ميليشيا سعد حداد المؤيدة لإسرائيل، ضد القوات المشتركة اللبنانية - الفلسطينية، قبل أن تحتلها إسرائيل رسمياً في 14 آذار 1978 خلال عملية الاجتياح الأول لجنوب لبنان.
على مدى 5 سنوات، لم يعد السكان إليها، لأنها كانت مدينة غير صالحة للعيش، وبدأت عودة السكان إليها بعد احتلال جنوب لبنان، وإنشاء إسرائيل لحزام أمني وإدارة مدنية، وتسلمت ميليشيا "لبنان الجنوبي" التي كانت بزعامة أنطوان لحد، إدارة معتقل الخيام سيئ السمعة، وحوّلت إسرائيل المدينة إلى حقل تدريب لقواتها على حرب الشوارع منذ الثمانينات.
توسع المدينة وتدميرها
توسعت المدينة بعد تحرير جنوب لبنان، وبدأ سكانها بالعودة إليها، وأنشأوا فيها المصانع والمزارع، ورفعوا منازل حديثة وفخمة ومنشآت، قبل أن يتعرض نحو 40 في المائة من تلك المباني لتدمير ممنهج في حرب عام 2006.
تدمّر نحو ربع المدينة في الحرب الموسعة التي تلت حرب الاسناد، وانتهت في تشرين الثاني 2024 إثر اتفاق وقف إطلاق النار.. واليوم تتعرض لغارات جوية وتدمير، بالتوازي مع محاولات احتلالها.




