أمشي "هنا" ملتحفةً بشاشة تنقل أحداث "هناك"

سماح حلوانيالأحد 2026/03/15
Image-1773530462
"قيم شخصية" (1952) رينيه ماغريت
حجم الخط
مشاركة عبر

أطرح هذه السطور أمام العالم، نيابةً عن كلّ مَن رحل عن وطنٍ تتقاذفه الأزمات والصراعات. ليس مهمًا إن كنّا وصلنا أرضاً جديدة بأوراقٍ رسمية أو من دون، فالحِملُ واحد، لأنه حينما يقبع الوطن تحت تهديدٍ مستمر، يصبح الاغتراب هو النضال، سواء كان اختيارياً أم قسرياً.

 

تمُرّ الأيام أسبوعًا بعد أسبوع، أجد فيها ما يُلهمني ويُطلقني إلى التفكير والكتابة، ومنها ما يضعني أمام جمود. صمتٌ وجودي يمنعني من التواصل، أو حتى التفاعل مع أي لمسة أو همسة، فأنكبّ على صفحات التواصل الاجتماعي آملة أن أجد ما يعيدني إلى ذاتي. ذاتي التي أقنعتني بالرحيل عن وطني المليء بالتوترات. وطن يعلو فيه أنين يومي، ينخر العظام، يجعلني أطارد أبسط التحركات والأصوات حولي، كمحاولة دفاعية استنفارية إزاء أي تعدٍ أو شجار أو انفجار قد يحدث في أيّ لحظة. وطن يتصاعد فيه التعب. نشأ هذا التعب بعدما رأيتُ الجميع يعانقون جزءًا من كرامة البقاء. ويشتدّ حينما لا أستطيع أن ألتحم معهم بأحضان التواصل والسّمر. 

 

اعتدنا أن ننتفض بعدما جمعنا ألم البقاء. بعدما أردنا أن نجعل منه موطنًا للنّفس. توقفنا مع خيبات أمل. لم ندرك حينها أننا وضعنا في ساحة النضال – تلك المساحة الوحيدة المتبقية للتواصل- كل تخبُّطاتنا وأحلامنا الفردية، فتشتتنا. عاودنا من جديد، إلى أن أصبحت المحاولة ألمًا، ننتظر شفاءه في عيون بعضنا بعضًا. فيزداد الأنين ونتخبّط في التّعب إلى أن نتوقف أو نرحل أو نُعاود الكرّة. أنا رحلت، إلى هنا. ووجدت في الجمود الذي يلاحقني ملجأً للشفاء، لا أعرف أن كان مُزيّفًا أم مُنتجًا. 

 

لكني أدرك اليوم أن ذاك الجمود كان يُحدّثني عن عيون مَن تركت. فأتجمّد وأقبع، لا لشيء، بل خوفًا من بُكاءٍ آتٍ، من شوق لعناق، لضحكة مسروقة؛ خوف من خسارة يحملها طيف الموت، وأنا لم أعِدّ له العدّة. لست جاهزة لمواجهة الفقدان، لا أريده، بل أرفضه. فأتجمّد أكثر فأكثر. رفضتُ ذلك الألم والخوف في السابق مرارًا. لم أتعافَ بعد من فراق من رحل، لم أبكِه ولم أتصالح معه بعد.  

 

هنا، أجد راحة البال، ولست مضطرة إلى الاستنفار كي أحمي بقائي. أستطيع أن أطرح نفسي بفخر، بما حملته جُعبتي من تجارب اختبرتُها هناك. أتمتع بمساحات من التعبير والتواصل، لكني ما زلت مرتبطة بالمساحة المتبقية، هناك. أشعر أني أسير وأمامي شاشة شفّافة تُطلعني على الأحداث، هناك. لا أستطيع الابتعاد عنها. تحجب عني رؤية حاضري هنا، ومستقبلي. تجعلني أسير نحو أهداف وقتية. وهي تسير معي أينما حللت.

 

هنا، أشعر بجسدي حرّاً طليقاً، وفكر لا تحدّه المخاوف، وهما متناسقا الخُطى. أما نَفَسي ووجداني، فما زالا عالقَين هناك، أراهما في تلك الشاشة. فشاشتي هي رغبتي في البقاء، تلك الرغبة التي نمَت وحلُمَت وكبُرَت هناك.

 

أجل، ثمة هنا تعب وألم: فأنا أعيش في عالمَين، ولا أستطيع أن أعيش في أيّ منهما في كلّيَتِه. أصبحت الغُربة مُسلسلًا أؤديه، لكن من بُعد. منفصلة عن مشاعري الملتصقة في الوطن. مشاعر تتضارب وتنبض أسرع من دقات قلب. تطرح نفسها قبل أن أعي ماهيتها، قبل أن أضع لها إسمًا، أن أقول لها ما بالُك، ما حالُك؛ مع أني اختبرت هذا التخبط من قبل، أغترب وأعود مجددًا، معاندة، ولم يحدّثُني أحدٌ بأنني في تكرار ذلك سأواجه عالمَين، حالة من الانشطار والانسلاخ والارتباط خانق المشاعر. 

 

بعد أن فجعني خبر وفاة ، حاملًا الأثير من هناك، أجبرني أن أطرح على نفسي، هنا، سؤالاً صادقاً : هل أنا هنا أم هناك؟ 

وبكل بساطة تُجيبني: رحلتِ عنه طالبةً الأمان، تبحثين عن هدوء البال. تودّين الغوص في سُكون الكون، لتُنصتي إلى ذاتك. ذاتك الآتية من قعر الجمود. تمدين جسراً عنيداً بين هنا وهناك، تأملين في أن ينعشك هناك، عسى أن يُحييك لتندفعي مع الحياة ولتحتضني الهناك. فيأتي الصباح وأنت تبحثين عن روائح اعتدتِها، تُدغدِغ ذكراه، وأنغام تُفرح البال وتُعيد الحال. لكن أيّ حال وأنت عالقة بين هنا وهناك، تخافين على مَن هناك وتحدقين إلى أثير فتتسمرين، وعلى الجسر تتأملين، في أحوال البقاء... 

 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث