الساعة الخامسة وأربعون دقيقة من يوم الثلاثاء 3 آذار (ثلاث ثلاثات في هذا التاريخ). أيقظتني رنة الموبايل، الذي في الأحوال العادية، يكون في حال الصامت، لكن لضرورات الحرب، ومنذ كانت مُنتظَرة، لم أفعّل خاصية صمته. كانت المتصلة قريبتي وجارتي في الضيعة. لم أجب بـِ "آلو" بل بـِ "شو صار؟".
-"وصل تهديد هلق بإخلاء الضيعة، يللا قومي"
-"يللا قمت، رح خبّر البيوت اللي حدي".
قفزتُ من سريري أثناء ردي على هذا الاتصال، وتواصلت مع بيوت أعمامي والجيران، اخترت منهم من أعتقد أنهم سيتلقون الاتصال والخبر بأقل توتر ممكن. وفي هذه الأثناء، أيقظت أخي الذي كنت أعلم أني سأعاني لأقنعه بالمغادرة معي. وفيما أوقظه، تذكرت، بل شعرت (وأنا متأكدة أنه شعر بالشيء نفسه)، بإحساس اختبرته سابقاً في لحظة مشابهة، عندما أيقظته في فجر يومٍ آخر، قبل سنة ونصف السنة تقريباً، لأخبره أن أمّنا ماتت. حينها، كما في هذه الليلة، اقتربتُ منه وهمستُ باسمه فاستيقظ مباشرة وقال: "شو؟"
إجابتي هذه المرة كانت: "هددوا يضربوا الضيعة، يللا قوم". فقفز، كما قفز عندما قلت له "ماما ماتت".
في اليوم السابق لهذا التهديد، علمنا أنه سيتوجب علينا المغادرة، لا سيما بعد أن سمعنا أصوات إطلاق ستة صواريخ باتجاه اسرائيل، وتأكدنا بعد أن بدأ الرد. جهزتُ حقائبي، لكني لم أغادر لأني رفضت أن أمضي 18 ساعة في الطريق، فانتظرتُ حتى لحظة تهديد القرية (والقرى المجاورة) بشكل مباشر لتكون تلك ساعة مغادرتي.
ضيعتي صغيرة جداً واسمها "اللوبية" (علمت مؤخراً من صديق أنها يجب أن تلفظ مع التشديد على حرف الياء، كحال القرى المجاورة، البيساريّة، الأنصاريّة، السكسكيّة، لكن الأرجح أن اسمها مطابق لأكلة "اللوبية"، فقررنا اعتماد لفظها بلا الشدة). ولصغر اللوبية، أستغرب كلما ذُكر اسمها أو قرأته مع القرى المهددة أو التي تعرضت لغارات. أصفن كل مرة، وأقول في سرّي: حدا بيضرب اللوبية؟ كيف إلن قلب؟.
عندما جهزت حقائبي في اليوم السابق على التهديد، كنتُ بكامل هدوئي. لقد تدربت على تنفيذ هذا القرار طويلاً. ولطالما أخبرَتْ زوجتا عَمَّي أنني حين تحين اللحظة لن أسمح بأن أعطي نفسي مهلة دقائق أو حتى ساعة لأجمع أغراضي. لن أسرع في توضيب حياتي في حقيبة. بكل هدوء، جهزتُ كل الحقائب الفارغة وحاولت أن أكون واقعية قدر المستطاع، وأن أتبنى أكثر من سيناريو: ستكون مدة قصيرة، أو ستكون مدة طويلة.
ذكّرتُ نفسي بأنها لن تكون رحلة سياحية، وبالتالي سآخذ الملابس المريحة والعملية. وبهذه "الغربلة" كان عليّ أن أودع كل قطعة لن أصطحبها معي. كل خيار فيه تحييد لخيارات أخرى. عن أي أحذية سأستغني؟ أي بيجاما؟ أي كيلوتات؟ أي جوارب آخذ معي؟
وكان عليّ أيضاً أن أنبه نفسي مراراً، ومن دون توتر، ومن دون أن أسمح للحزن أن يشلّني، أنني عندما أعود قد لا أجد شيئاً مما تركت خلفي.
أخذتُ حقيبة الصور، صورنا القديمة حين كنا نطبع صُورنا، والتي تضم أيضاً أوراق العائلة والبيت الرسمية. هذه الحقيبة مجهزة منذ أكثر من سنة.
دخلت المرسم الذي جددته مؤخراً لآختار ما يمكنني أخذه.
كل اختيار هو حذف.
أخذت فقط ما قد يشكل نبذة عن أعمالي، وما يمكن وضعه في ملف.
أخذت من الزعتر الذي قطفته وأعددته صيفاً، ومن زيت الزيتون الذي قطفته وعصرتُه صيفاً، ومن "الكمونة" وتحويجتها.
كل ما لدي في الثلاجة سيبقى فيها.
حقائبي التي تضم بعض ملابسي وغياراتي ومستلزماتي وألواني وأوراقي، صارت كلها في صندوق السيارة، لأن المقاعد الخلفية يجب أن تتسع لمن سأصطحبهم بالسيارة مع أغراضهم.
رأيت شجرتا الحامض والأفوكا "هجمانين"، فقطفت منهما ما استطعت، ووضعت الغلّة الصغيرة في صندوق السيارة بجوار بقية حياتي.
كنت واعية بأن كل ما اخترته، ربما يكون كل ما سيبقى.
كل خيارٍ هو حذف.
كنت على مسافة من قلبي. لأني لو تبعته، لما حزمتُ حقائب ولا تهيأتُ للمغادرة.
لكن العقل يربح للأسف. محاولة النجاة تتطلب عقلاً وذهناً حاضراً ينجو بك. لكن هل ينجو من يترك بيته؟ أشجاره؟ شمسه وبحره؟ ألوانه وأشياءه؟ هل ينجو من يترك باقي ألفيات زيته؟ وغيومه التي رسمها؟
وهل فعلاً القرار السليم هو اعتماد العقل ليسهّل لنا ترك أماكننا؟
عندما أيقظتني قريبتي لتبلغني بالتهديد، كان كل ما يجب حزمه محزوماً وفي صندوق السيارة.
دخلتُ الحمّام مُحافظةً على هدوء اليوم الذي سبق، وفكّرت: هل لدي وقت لأغسل أسناني، ولأفرغ مثانتي، قبل أن أرتدي ملابسي المجهزة سلفاً؟ اخترتُ غسل أسناني.
أقاربي الذين قبلوا معي ولم يغادروا في اليوم السابق، كانوا على أتم استعداد اليوم، وانتظروا إتمامي محاولة إقناع أخي.
تمكنتُ من إقناعه بالمغادرة معي. أخذَني على قد عقلي، وتجاهل قلبه، ولو مؤقتاً.
ودّعتُ البيت والحديقة والمرسم بنظرات قصيرة، لو طالت لما غادرت وتركتُ كنبتي... ونسيت بطانيتي التي أحبّ.
