"أم.تي.في" متهمة بالتحريض...على "حزب الله" أم الشيعة؟

نغم ربيعالأربعاء 2026/03/11
Image-1772968611
حجم الخط
مشاركة عبر

برزت موجة مقلقة من التحريض الإعلامي والسياسي، منذ بدء الجولة الجديدة من الحرب الإسرائيلية، تجاوزت حدود النقد المشروع لتلامس خطاباً يستهدف بيئة اجتماعية كاملة، وهو ما دفع مناصرين لـ"حزب الله" إلى انتقاد قناة "أم تي في" التي اتهموها بأنها تتصدر موجة "تحريض" ضد البيئة الشيعية النازحة من مناطقها.

ومنذ اللحظة الاولى لبدء الحرب، اندفعت منصات إعلامية وبعض الإعلاميين إلى إطلاق حملات، بدت وكأنها موجهة ليس ضد حزب الله فحسب، بل "ضد الطائفة الشيعية وبيئتها الاجتماعية برمّتها"، حسبما يقول مغردون ومؤثرون شيعة، وتستخدم الحملات "لغة قاسية ومحتوى يحرّض بوضوح، ويغذّي مشاعر الغضب والعداء في الشارع، في الوقت التي تسعى فيه الحكومة لاحتواء الأزمة".

 

مواد تحريضية؟

برزت تغطيات في قناة MTV، إلى جانب مواد إعلامية متداولة بكثافة في وسائل التواصل الاجتماعي من قبل موظفين لديها، ساهمت في تكريس صورة جماعية سلبية عن بيئة كاملة، لا عن حزب أو خيار سياسي محدد. 

كما وبثت المؤسسة اللبنانية للإرسال (LBCI) فيديو مولَّداً بالذكاء الاصطناعي حول توقيف المؤثّر علي برو، ما اعتبره كثيرون مثالاً على الانزلاق إلى استخدام أدوات إعلامية جديدة بطريقة قد تغذّي خطاب الكراهية أو السخرية السياسية.

وانطلقت الاعتراضات من أن المشكلة هنا لا تتعلّق بحرية النقد السياسي، ذلك أنه "من حق أي إعلامي أو مواطن أن ينتقد حزباً سياسياً أو يهاجم سياساته وخياراته". لكن التحريض على بيئة اجتماعية كاملة، أو التعميم على جماعة بشرية بأكملها، "يتجاوز النقد المشروع ليصبح خطاباً إقصائياً خطيراً، خصوصاً في بلد هشّ مثل لبنان، حيث يكفي شرخ صغير في اللغة كي يتحوّل سريعاً إلى توتر اجتماعي على الأرض"، كما يقول حقوقيون. 

 

دحض جهود الدولة

بهذا المعنى، لم يعد الأمر مجرّد سجال سياسي أو اختلاف في المواقف من الحرب ودور حزب الله فيها، بل تحوّل في بعض الأحيان إلى تعميم خطير يختزل مجتمعاً كاملاً في صورة خصم، ويضعه في موقع الاتهام الجماعي، في لحظة يفترض أن تكون فيها الأولوية لاحتواء الخوف والتضامن مع المدنيين الذين يدفعون كلفة الحرب، خصوصاً أن الحكومة تحاول رسم خطاب مختلف، يقوم على تهدئة المناخ العام ومنع انزلاقه نحو مزيد من الانقسام. فقد شدّد رئيس الحكومة على ضرورة التعامل مع النازحين بوصفهم ضحايا للحرب لا صانعيها، مؤكداً بوضوح أن هؤلاء "ضحايا سياسات لم يصنعوها"، مؤكداً أن مسؤولية الدولة والمجتمع هي الوقوف إلى جانبهم وتأمين ما يحتاجونه "بكرامة وروح الأخوّة والتضامن".

خطاب عدائي

غير أنّ هذا الخطاب الرسمي يصطدم، في المقابل، بموجة مضادّة من التحريض، تتكاثر في وسائل التواصل الاجتماعي، حيث تختلط المواقف السياسية بالسخرية القاسية والشماتة والخطاب العدائي. في هذا الفضاء المفتوح، لا يعود النقاش حول السياسات أو الخيارات العسكرية، بل يتحوّل أحياناً إلى تصفية حسابات لفظية مع بيئة كاملة، في لحظة يطغى فيها الانفعال على أي اعتبار آخر.

 

ومن أبرز الأمثلة على ذلك، وبعد قيام القضاء بتوقيف علي برو المتهم بالتحريض، دعا الصحافي رامي نعيم في منشورات متداولة إلى دخول الجيش السوري إلى لبنان، في خطاب أعاد إلى الواجهة لغة الاستقواء بالخارج التي لطالما فجّرت حساسيات عميقة في الذاكرة اللبنانية. كذلك أثارت الإعلامية مجدولين لحام جدلاً واسعاً بعد نشرها تغريدة تنتقد فيها نازحين يؤدّون طقوساً دينية داخل إحدى المدارس التي تحوّلت إلى مركز إيواء.

 

وفي موازاة ذلك، انتشرت تعليقات ومنشورات لمواطنين في وسائل التواصل الاجتماعي، دعت المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي إلى قصف بعض المناطق من دون إنذار مسبق، في تعبير صادم عن حجم الانقسام والغضب المتراكم. 

 

عدم استقبال الشيعة

وهذا ما بدأ يظهر فعلاً في بعض الحوادث المرتبطة بالنازحين من مناطق القصف. فمع اتساع موجة النزوح من الجنوب والضاحية الجنوبية، سُجّلت حالات رفض أو توتر في بعض المناطق. ويروي أحد سكان الضاحية الجنوبية لـ"المدن" أنه استأجر منزلاً في بلدة بيصور في قضاء عاليه هرباً من القصف، قبل أن تطلب منه صاحبة المنزل لاحقاً إعادة المفتاح والمغادرة، فعاد إلى الضاحية الجنوبية التي ما زال يقطنها حتى بعد إنذار الضاحية بأكملها. حادثة تعكس كيف يمكن للخطاب الإعلامي المشحون أن يتسرّب سريعاً إلى العلاقات اليومية بين الناس، وأن يترك أثره المباشر في تفاصيل حياتهم.

 

إختلاف مع حزب وليس البيئة

في زمن الحرب، قد يتحول الإعلام بسهولة إلى عامل مُضاعف للتوتر إذا انجرف نحو لغة التحريض أو التعميم، في حين يفترض أن يؤدي دوراً في تهدئة المجتمع وشرح الوقائع. فلبنان، بتكوينه الاجتماعي الدقيق، لا يحتمل خطاباً يعاقب جماعة كاملة بسبب موقف سياسي أو بسبب حزب ينتمي إليه بعض أبنائها.

 

قد يختلف اللبنانيون جذرياً حول حزب الله ودوره وسياساته. هذا خلاف سياسي مشروع. لكن تحويل هذا الخلاف إلى عداء اجتماعي مع بيئة كاملة، أو إلى خطاب شماتة ورفض للنازحين، فهذا ما يفتح الباب أمام انقسام أخطر بكثير من أي خلاف سياسي: انقسام بين الناس أنفسهم. وفي بلد يعيش أصلاً على حافة الانهيار، قد يكون هذا أخطر ما يمكن أن تفعله في الحرب والسلم.

 

جاري التحميل...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث