أثار مقطع فيديو قصير لمصور قناة "الجزيرة" علي ماجد، جدلاً واسعاً في مواقع التواصل الاجتماعي حول حدود التصوير الصحافي، والحق في نقل الصورة، مقابل الحق في الخصوصية وكرامة الناس في لحظات ضعفهم.
جاء ذلك في حين تجمع آلاف الأشخاص الذين غادروا منازلهم بعد الإنذارات الإسرائيلية بإخلاء الضاحية الجنوبية. وكان ماجد يصور في منطقة البربير لأكثر من ساعة، حيث كانت الكاميرا واضحة وغير مخفية في بث مباشر، وكان الناس يتفاعلون معه ويتحدثون أمامها. بعضهم شرح ما جرى معه، وآخرون رووا كيف خرجوا من منازلهم بسرعة، حتى أن بعض العائلات راحت تُظهر للكاميرا ما تحمله من طعام أو أغراض.
بعد ذلك، وصلت شابة مجهّزةً كاميرا الهاتف خلال البث المباشر، واقتربت من المصوّر وقالت له: "ماذا تستفيد إذا صورت الناس؟ يجب أن تسأل الناس، هؤلاء لديهم كرامة، وأنتم (أي الصحافين) تتاجرون بدَمنا".
والمصور، لم يوجه الكاميرا نحوها أساساً. حاول تهدئتها قائلاً أنه مستعد للحديث معها بعد أن تهدأ، لكنه كان في بث مباشر تصعب خلاله إدارة نقاش طويل. لاحقاً، عادت الشابة واقتربت من ماجد لتجدد اعتراضها، متهمةً إياه بأنه "يتاجر بكرامة الناس". فأوضح لها واجبه وعمله.
والحال أن الجدل الذي أثاره الفيديو لم يبق محصوراً في هذا المشهد بالذات، بل تحول إلى نقاش أوسع حول أخلاقيات التغطية الصحافية في زمن الحرب. ورأى الدكتور محمود طربيه، المتخصص في الإعلام الرقمي، أن ما حصل يجب أن يُقرأ ضمن سياقه. وقال في حديث مع "المدن" أن المصور الصحافي كان في مكان عام ولم يكن يصور في الخفاء. الكاميرا كانت واضحة، والمشهد الذي ينقله ليس لشخص محدد بل لحالة عامة، وهي هروب الناس من منازلهم.
وأضاف طربيه أن "المشكلة الأخلاقية الحقيقية تكمن في سرقة الصور أو نشرها من دون الاعتراف، لا في توثيق حدث علني"، لكنه تفهم رد فعل الشابة، مشيراً إلى مفارقة أخرى: مَن يطلب عدم تصويره لا يملك بدوره الحق في تصوير الصحافي من دون موافقته. وبالنسبة إليه، تبقى الصورة ضرورة في مثل هذه اللحظات. فالتوثيق هو ما يحفظ الذاكرة وينقل للعالم حجم الخوف والقلق الذي يعيشه الناس. وذكّر بأن صحافيين كثر دفعوا حياتهم ثمناً لنقل هذه الصور إلى الرأي العام: "تغييب الإعلام عن نقل المآسي لا يحمي الضحايا، بل ربما يخدم المعتدي عبر طمس ما يجري".
من جهتها، قدمت الخبيرة الإعلامية والمحاضرة الجامعية، ربى الحلو، مقاربة أخرى، تضع حدوداً أكثر صرامة للتصوير. وقالت في حديث مع "المدن" أن "أي ممارسة إعلامية مهنية يجب أن تنطلق من مبدأ أساسي، هو عدم إلحاق الضرر"، ما يعني أن احترام الحياة الخاصة للأفراد يجب أن يكون أولوية، وأن الموافقة المسبقة والمستنيرة تبقى شرطاً أساسياً في العمل الصحافي.
وأشارت الحلو إلى ضرورة تصحيح فكرة شائعة مفادها أن الوجود في مكان عام يلغي الخصوصية. فمرور شخص عادي في الشارع لا يمنح المصور الحق في جعله موضوعاً رئيسياً لقصة صحافية من من دون إذنه الصريح. أضافت أن "قاعدة أساسية في العمل الصحافي هي التوقف عند الطلب. فإذا طلب شخص عدم التصوير أو عدم الحديث، يجب على الصحافي التوقف فوراً، سواء كان في مكان عام أو خاص، إلا في حالات استثنائية تتعلق بمصلحة عامة واضحة، مثل توثيق جريمة علنية". ولا تلوم الحلو الصحافيين وحدهم، بل ترى أن المسؤولية تقع أيضاً على المؤسسات الإعلامية وغرف الأخبار، خصوصاً خلال الأزمات.
وأكملت الحلو بأن التغطية المباشرة للأحداث الحساسة ربما تؤدي أحياناً إلى أذى كبير للضحايا، كما أن الاستخدام المفرط لصور المعاناة الإنسانية يمكن أن يخلق ما يعرف بـ"إرهاق التعاطف" لدى الجمهور، حيث يفقد الناس تدريجياً قدرتهم على التفاعل مع المآسي بسبب كثرة الصور الصادمة. وشددت على ضرورة حماية الفئات الضعيفة، مثل النساء والأطفال وذوي الإعاقة والنازحين، من الوصم والتنميط أثناء التغطية الإعلامية، إلا إذا كان ذِكر هذه التفاصيل ضرورياً لفهم سياق الحدث.
وطلبت الحلو من الصحافيين إيلاء عناية خاصة لحماية حقوق وكرامة الضحايا والأطفال، حيث لا يحق لأي صحافي، تحت أي ظرف، استغلال جهل بعض الأشخاص وتصويرهم، "خصوصاً الذين ربما لا يدركون تماماً قوة وسائل الإعلام ومدى الانتشار الذي يمكن أن تحققه صورة واحدة، ولا كيف يمكن أن تؤثر لاحقاً في حياتهم".




