"نحنا مناح"

صفاء عيّادالجمعة 2026/03/06
Image-1772738629
"حكاية رمزية" للفنان اللبناني وسام ملحم
حجم الخط
مشاركة عبر

هي الحرب الثالثة التي نعيشها منذ تشرين الأول 2023، مروراً بتوسّع العدوان في أيلول 2024، وبعد خمسة عشر شهراً من حرب متقطّعة، وصولاً إلى حرب لم يختر لها الإعلام إسماً، ولا حتى حزب الله.

 

منذ الاستيقاظ ليل الأحدـالإثنين على وقع غارات الضاحية الجنوبية لبيروت، يسري شعور غريب، ونحن الذين كنا نُطَمئن الأحبة بأننا نقيم في منطقة "آمنة". لكن إحساس الحرب هذه المرّة ليس الخوف فحسب، بل الخدَر. أو أكثر. يصعب وصفه. يشبه حالة الشَّلل الجماعي التي يتحدّث عنها كثيرون في وسائل التواصل الاجتماعي.

 

في اليوم الأول للعدوان، قصدتُ المدارس المجاورة لمنطقتي، والتي فتحت أبوابها للنازحين. لم أركّز كثيراً في كلام الناس. اكتفيت بتسجيل المقابلات على الهاتف لأعود إليها لاحقاً عند كتابة المادة الصحافية. في المقابل، كانت عيناي تلاحقان الأطفال:  ببيجامات نوم، بلا أحذية، بلا معاطف شتوية. وقفتُ بين النازحين كأني أدور حول نفسي. إلى أن استوقفتني طفلة بعينين خضراوين، تتشبّث بأمّها، تحاول تدفئة نفسها. للحظة شعرت أني أريد احتضانها. فنحن كأمهات، نتألم مرتين: مرة ككل الناس، ومرة كأمهات. 

 

هذا الإحساس الذي ينخر القلب هو نفسه الذي جعلني، منذ ثلاث سنوات، أنقم أحياناً على هذه المهنة. على نصوص صحافية تبدو متشابهة، وعلى أسئلة تتكرر: ما الجديد الذي يمكن أن نكتبه؟ سوى أن أسماء النازحين من الجنوب والبقاع تتبدّل؟

 

ألعن أحياناً هذه البقعة الجغرافية التي نعيش فيها. بقعة تجعل حقيبة الطوارئ عند باب المنزل شيئاً بديهياً، كالماء والطعام. أُطَمئن نفسي مجدداً بأني أسكن في منطقة تُعدّ آمنة. ويرتاح بال أهلي أيضاً، رغم أنهم ما زالوا في قريتنا الجنوبية، رافضين مغادرتها.

 

منذ سنتين، يتعامل أهلي مع الغارات والتهديدات والإنذارات التي طاولت بلدتنا في بداية العام، ودمّرت عشرة مبانٍ سكنية. وكأن الأمر يمكن احتماله طالما "أنا وطفلتي في بيروت". وكأن حياتهم في الجنوب تفصيل عابر، وكأني أنا الأنانية التي تراقب الوضع من بعيد، قبل أن تقرر إن كانت ستزور القرية في عطلة نهاية الأسبوع. وكأن نجاتي أهم من نجاتهم.

 

ليلة بدء الغارات على الضاحية، حين كانت الأصوات توحي بأن الانفجارات قريبة منا، لم أستطع تهدئة ابنتي ذات السنوات الست. هي التي كبرت في زمن الحرب، من دون أن أستوعب أنها باتت تفهم أكثر مما أظن. كان سؤالها الأول، وهي تبكي: "هلق ما بقا رح شوف تاتا وجدو؟ ورح يتكسّر البيت؟". وفي أول اتصال معهما، أعادت السؤال على جدّتها. ثم بدأت تسأل عن أصدقائها في المدرسة: هل يسكنون في "الضاحية"؟ طفلة لا تعرف جغرافيا لبنان جيداً بعد، لكنها تحفظ في ذهنها علامات الإنذار الحمراء.

 

ومنذ بدء العدوان، تسألني يومياً: هل سأعمل؟ هل سأغادر المنزل لوقت طويل؟ هل سيبقى اللابتوب مفتوحاً؟ هل ستذهب إلى المدرسة؟ وهل يمكنها السهر، لأنها أصبحت تخاف من العتمة التي تتبعها غارات متتالية؟

 

نحن الذين اعتقدنا أننا في منطقة آمنة، باتت الاستهدافات على مقربة منا. نستيقظ على رنين الهاتف، اتصالات أصدقاء وزملاء للاطمئنان. وحين أجيب، "نحن مناح"، يتوقف ذهني للحظة.. ما معنى أن نكون "مناح"؟ الكلمة واضحة، لكن معناها بات مُربِكاً. أشعر أحياناً أننا نعيش على إبرة ضخمة تضخّ مخدّراً في شريان كبير واحد، شرياننا المشترك. ربما تخفف وطأة الواقع، ربما تحمينا من بعض الألم والقلق، لكنها لا تغير شيئاً. نقول إننا "مناح"، بينما نحن نعيش بين خبر وآخر، وبين غارة وأخرى. وفي يوميات كهذه، تصبح كلمة "مناح" المُضحك المبكي.

 

جاري التحميل...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث