إسرائيل تفكك البنية الديموغرافية في الضاحية

راغب مليالجمعة 2026/03/06
Image-1772749154
استهداف الضاحية (غيتي)
حجم الخط
مشاركة عبر

نموذج غزة وحده، حضر في تصورات سكان الضاحية الجنوبية لبيروت، إثر الإنذار الذي وجّهه الجيش الإسرائيلي إلى السكان يطالبهم فيه بإخلائها بالكامل. كلما تردد صوت قذيفة، ازدحمت الصور من الموقعين، لتطلق العنان للخيال: أين وقعت؟ ماذا استهدفت؟ ما هي الأضرار؟ 

ومع أن السؤال الأخير ليس مطروحاً على نطاق واسع، إلا أنه يمثل شعرة الأمل الأخيرة بأن تكون الغارات عرضية. حجم الغارة، صوتها، يحملان المؤشرات على أضرارها. ثمة ذكريات وممتلكات، ومستقبل ضبابي، في حال وقعت البناية. 

حال السكان، يتردد الآن في مواقع التواصل الاجتماعي. ما قام به جيش الإحتلال، تتجاوز دلالاته البُعد العسكري المباشر، خصوصًا أنه جاء بصيغة غير مسبوقة من حيث اتساع نطاقه الجغرافي وطبيعة التعليمات التي رافقته.

وخلافاً للغارات الماضية التي سبقتها تحذيرات موضعية، لم يقتصر التحذير وفق الاعلان الجديد على مبانٍ محددة أو مواقع يقال إنها أهداف عسكرية، بل شمل أحياء واسعة تضم عشرات آلاف السكان، مثل برج البراجنة والحدث وحارة حريك والشياح، مع تحديد اتجاهات واضحة لخروج السكان نحو جبل لبنان أو شمالًا باتجاه طرابلس.

 

شتات 

هذا الإنذار يعكس تحولًا واضحًا في طبيعة الضغط الإسرائيلي، إذ يشكل تحديدًا مباشرًا وإنذارًا صريحًا ومسعى لإخلاء منطقة سكنية مكتظة بكاملها، وليس مجرد تحذير تكتيكي محدود. ومع الكثافة السكانية الكبيرة في الضاحية الجنوبية، فإن أي نزوح جماعي منها يحمل أبعادًا تتجاوز الجانب العسكري، ليطاول التوازنات الاجتماعية والديموغرافية في لبنان.

فالضاحية الجنوبية تُعدّ من أكبر التجمعات السكانية في البلاد التي تضم أكثرية شيعية، تليها أحياء سنية ومخيمات فلسطينية وأحياء تقطنها غالبية من العمال السوريين والبنغلادشيين والإثيوبيين، إضافة إلى أقلية من المسيحيين والدروز.. تشكل الضاحية، الكتلة السكانية الأبرز ضمن البيئة الاجتماعية المرتبطة بحزب الله. وبالتالي فإن دفع سكان هذه المنطقة إلى مغادرتها، حتى ولو تحت عنوان الإخلاء المؤقت، يعني عمليًا تفكيك تجمع سكاني كبير وإعادة توزيعه جغرافيًا داخل لبنان.

 

نموذج غزة

في هذا الإطار، يُنظر إلى هذا الإنذار ضمن مسعى إسرائيلي لدفع السكان إلى نزوح واسع، بما قد يفتح الباب أمام واقع ديموغرافي مختلف في هذه المنطقة. فإسرائيل تدرك أن الضغط في المواجهة مع حزب الله لا يقتصر على استهداف بنيته العسكرية، بل يمتد أيضًا إلى الضغط على البيئة الاجتماعية التي تشكل أحد عناصر قوته الأساسية.

وتزداد هذه القراءة أهمية عند وضع الإنذار في سياق تصريح وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريش، الذي قال إن الضاحية الجنوبية ستكون مثل خان يونس في غزة. هذه العبارة تحمل دلالة واضحة على النموذج الذي تتحدث عنه إسرائيل في سياق عدوانها على لبنان.

ففي غزة، ترافقت العمليات العسكرية غالبًا مع إنذارات تطالب السكان بإخلاء مناطق كاملة، لتتحول هذه المناطق لاحقًا إلى مساحات مدمرة بالكامل يصعب العيش فيها. ومع مرور الوقت، أدى هذا النمط من العمليات إلى تهجير أعداد كبيرة من السكان وإفراغ أحياء واسعة من أهلها قبل أن تتحول إلى ركام.

 

تفكيك البنية الديموغرافية

من هذا المنظور، تبدو المخاوف قائمة من أن يكون الإنذار الواسع لسكان الضاحية جزءًا من مسار مشابه: إخلاء السكان أولًا، ثم تحويل المنطقة إلى ساحة قصف كثيف يؤدي إلى دمار واسع يجعل عودة السكان إليها أكثر صعوبة.

كما أن إخلاء منطقة مكتظة مثل الضاحية يحمل بعدًا أمنيًا إضافيًا بالنسبة لإسرائيل. فمع خروج المدنيين، قد يصبح أي تحرك داخل المنطقة قابلًا للتصنيف كتحرك مرتبط بعناصر أو قيادات في حزب الله، مما يتيح توسيع دائرة الاستهداف داخلها، ويبرر لإسرائيل، نظرياً، عدم ارتكاب مجازر بحق المدنيين. 

وبين البُعد العسكري والبُعد الديموغرافي، يبدو أن ما يجري يتجاوز مجرد تحذير ميداني عابر. فالإنذار الواسع، مع ما رافقه من تصريحات إسرائيلية، يعكس محاولة لفرض معادلة جديدة تقوم على الضغط عبر السكان والجغرافيا معًا، في مسار قد يهدف إلى تفكيك أحد أكبر التجمعات الاجتماعية المرتبطة بالحزب وإعادة رسم الواقع السكاني في المنطقة الحاضنة لحزب الله ومراكزه ومقراته ومؤسساته. 

 

جاري التحميل...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث