تراجعت الحملة التي شنها النازحون من جنوب لبنان والضاحية الجنوبية لبيروت، ضد "حزب الله". ما كان يُحكى في اليوم الأول، بعد إطلاق صواريخ من الجنوب باتجاه إسرائيل، انحسر الى حد كبير، أما أصوات الانتقاد، فتصدرها المعارضون للحزب الذين دأبوا على انتقاده في مواقع التواصل منذ أشهر.. وسنوات.
للوهلة الأولى، بدا "حزب الله" معزولاً في أوساط بيئته. للمرة الأولى، كانت أصوات الانتقاد تطاول قيادة الحزب بأسرها. في تلك اللحظات، كان الناس عالقين في الطرق، بلا وجهة محددة. بحث الناس، عبثاً، عن مأوىً، وهم الذين لم يجدوا ما يؤويهم بعد المقتلة السابقة. رحلة التيه الجنوبي، انفجرت في الساعات الأولى ضد الحزب الذي "لا يكترث للناس ومعاناتهم"، وعوّلوا على الدولة. الدولة التي يفترض أن تؤويهم وتحميهم. الدولة التي قالوا إنها خيارهم الأول والأخير، بعد نتائج الحرب الماضية.
لكن ما حصل بعد انقضاء اليوم الأول، كان دراماتيكياً. مَن كان عالقاً في الطريق، بقي في موقعه بلا وجهة. لا دولة تحركت بسرعة، ولا شريك في الوطن فتح داره لاستقباله. على العكس، وضعت البلديات شروطها لاستقبال النازحين، ورفض كثيرون تنظيم عقود إيجار للنازحين. لم تختبر البيئة هذا الواقع بهذا الشكل منذ تكوينها، وبالتالي وجدت أن انتقاد الحزب لا طائل منه، بصرف النظر عما إذا كان واقعهم المأسوي هذا، مسؤولية الدولة أو الحزب... أو حتى القدر المشؤوم.
والجنوبيون الذين نزحوا، وأكثروا من انتقاداتهم لحزب الله، ليسوا من أنصاره. نتائج الانتخابات النيابية، أظهرت أن قاعدة الحزب لم تتخطَّ الـ 32%، وهذا ما يعني أن عشرات آلاف النازحين، افتراضاً، لا يشكل مناصرو الحزب منهم أكثر من الثلث. أما الآخرون، فهم ضحايا الحرب، مثلهم مثل بقية اللبنانيين.. لكنهم يتعرضون لعقوبة جماعية.
وضع الحزب بيئته في مواجهة الدولة. لا مناص من هذه الحقيقة. لكن الآخر، لم يقدم البديل. لم يحتضن كثير من اللبنانيين، ضحايا هذه المغامرة الجديدة. لم يشهد لبنان في السابق، موجة من النازحين تعلق لأكثر من 24 ساعة في طرق الهرب، كما لم تشهد تأخيراً في افتتاح مراكز الإيواء.
من هذا الواقع، تعززت سردية الحزب بأنه حامي الطائفة، ولو رغماً عن معظم أبناء هذه الطائفة. تعزز موقع الحزب الحامي، ليس من إسرائيل فحسب، بل من آخر، شريك في الوطن، يتركه لمصيره ولمعاناته، فقط لأنه يقيم في مناطق يسيطر عليها "حزب الله"، أو تتعرض لاعتداءات. ربما يكون هذا الآخر خائفاً، من استهداف إسرائيلي أو احتكاكات مناطقية. لكن الواقع يبقى أن سردية الحزب، بالإقناع الفعلي أو بحُكم الأمر الواقع، باتت أكثر قدرة على التسرّب الى عقول الآلاف ممن واجهوا هذه السردية في الحروب الماضية، وفي السنوات الماضية، وفي الأشهر التي سبقت هذه الحرب حين كان التعويل على الدولة خياراً أخيراً للجنوبيين.
في الوقت نفسه، امتص "حزب الله" النقمة، بتفعيل نشاطه العسكري. حاول تبديد التقديرات التي تحدثت عن مغامرته بعدد محدود من الصواريخ، استدرجت إسرائيل الى حملة قصف جوي وتهجير للسكان الآمنين. انخراط الحزب في المعركة البرية، أسكت الكثير من أصوات بيئته. أخمدها. وجّه رسالة بأن قتاله يتم لأجلهم.. وليس لاعتبارات إيرانية. وسواء كانت هذه السردية حقيقية أم لا، لا يجد الجنوبيون مفراً من العودة إليها، أو على الأقل عدم معارضتها علناً، خصوصاً بعد إعادة التموضع الذين نفذه الجيش، وإخلاء بعض تمركزاته في المنطقة الحدودية حيث تتوغل الدبابات الإسرائيلية.
من هنا، أعاد "حزب الله" لملمة بيئته. أعادها إلى ملعبه، وهو الذي يجيد لعبة الحرب والذي قدم له خصومه هدايا على طبق من ذهب... بانتظار نتائج المفاوضات والميدان.
