علت أصوات النقاشات البارحة على صوت المسيّرة المحلّقة فوق رؤوسنا. في مقاهي بيروت، كما في البيوت، كل لبناني يكمن داخله محلّل استراتيجي سياسي إقليمي، وهذه التسمية ليست من باب السخرية، فالحاجة فعلًا أمّ الاختراع. عندما تكون في بلد مثل لبنان، حيث الحرب وتداعياتها جزء لا يتجزأ من روتينك اليومي، الشهري، السنوي، وحيث لا تستطيع أن تقرّر أيّ لحظة من لحظات حياتك أو واقعك أو مستقبلك، يصبح التحليل وسيلتك الوحيدة للشعور ببعض السيطرة، وربما للفهم. تحلّل، وتعيد التحليل، وتراقب الأخبار كما لو أنك تراقب نشرة طقس تخصّ بيتك.
قبل أيام قليلة، كان لبنان للمرة الأولى خارج دائرة الضرب المباشر. كنّا نشاهد ما يجري في دول الخليج عبر الشاشات، نتابع صور القصف والردود، ونطرح السؤال بصوت عالٍ: هل نحن متفرجون هذه المرة، أم أنّ دورنا سيأتي؟ هذا السؤال وحده كان كافياً لإشعال الطاولات. أحدهم يؤكّد أننا خارج اللعبة، يستند إلى توازنات وتحليلات وخرائط. وآخر يصرّ على أنّ المسألة مسألة وقت. وثالث يراقب بصمت، ثم يتدخّل ليقول إنّ المنطقة كلها مترابطة، وإنّ أحدًا لا يبقى خارج الحريق طويلًا.
الغريب في تلك النقاشات لم يكن اختلاف الآراء، بل الحماسة التي ترافقها. يرتفع الصوت، تتشابك الجُمل، ويظهر نوع من التوتّر الممزوج بالإثارة. في لحظات كهذه، يتحوّل الحدث ساحةً لإثبات الذات. كلّ يريد أن يخرج بجُملة قاطعة، بتوقّع يصيب، بتحليل يثبت لاحقًا أنّه كان الأصح. وحين يتحقّق جزء مما قاله، يلمع في عينيه ما يشبه الانتصار الصغير. كأنّ الإصابة في التوقّع تعوّض قليلًا عن العجز الكبير أمام الواقع.
الحرب، قبل أن تصل، تخلق حالة من التأهّب الجماعي. يرتفع الأدرينالين في الكلام، في الرسائل الصوتية، في متابعة الشاشات. هناك شيء فينا يستنفر، يرفض أن يكون جاهلًا بما قد يحدث. المعرفة هنا ليست رفاهية، بل وسيلة دفاع. حين نسمّي الاحتمالات ونعدّد السيناريوهات، نشعر أنّنا مستعدون، ربما. وحين نتجادل، نشعر أننا نشارك في صياغة الحدث، ولو بالكلام.
ثم جاءت الضربة الأولى. ارتجّت المدينة، سقطت كافة التحليلات دفعة واحدة. عرفنا الجواب الذي كنّا نؤجّله. لم نعد خارج المشهد.
للمرة الأولى منذ زمن طويل، انهرت. أنا التي اعتدت أن أهدّئ الآخرين، أن أقول إن الأمور ستتضح، وإن الخوف لا يفيد. هذه المرة رأيت الشريط المصوَّر يتكرّر أمامي: الدخان، الناس تركض، وجوه تبحث عن مأوى، بيوت تُفتح على عجل لاستقبال أقارب أو غرباء. شعرت بأنّ المشهد أكبر من قدرتي على شرحه أو احتوائه. الخوف، الخوف اجتاحني . يداي ترتجفان، وأنفاسي غير منتظمة، وكأنّ شيئًا ما انكسر داخلي على أصوات سقوط كل ما هو حولي.
رأيت في تلك اللحظات صور الموت والتهجير والظلم والخوف، لا كعناوين إخبارية، بل كاحتمالات قريبة جدًا. أدركت كم كنّا نتعامل مع الحرب كمادة للنقاش، قبل أن تصبح تجربة. الكلام يختلف حين يكون الحدث على مسافة، ثم حين يدخل مدينتك. في المسافة، تملك رفاهية الرأي. في القرب، تملك فقط ردّ الفعل.
المفارقة أنّ الذين كنت أهدّئهم، هم من هدّأوني هذه المرة. رسائل قصيرة تقول إنّ الأمور ستمرّ، وإنّنا اعتدنا على ما هو أصعب. في تلك اللحظة فهمت أنّ التحليل لم يكن فقط محاولة لفهم السياسة، بل شبكة أمان بيننا. نحن نتجادل لأننا نخاف، ونرفع الصوت لأننا نبحث عن طمأنينة مشتركة. حين تتكشّف الحقيقة، نسقط للحظة، ثم يلتقط بعضنا بعضًا.
ما يحدث في أوقات التوتر يكشف طبقة خفيّة في المجتمع. هناك من ينفعل، من يغضب، من يفرح لأنه توقّع، من يصمت، من يضحك بعصبية. هذه الانفعالات ليست دليل قسوة، بل دليل هشاشة. الإنسان حين يقترب من الخطر، يبحث عن أي شعور يمنحه المعنى: إثارة، غضب، يقين، أو حتى جدال طويل في مقهى.
في صباح اليوم ، بدت المدينة أهدأ قليلاً من النقاشات التي سبقت الضربة. الهدوء نوع من الاستيعاب البطيء. تذكّرت الطاولات التي اشتعلت بالتحليل، وتساءلتُ إن كنّا، في عمقنا، نحاول فقط أن نسبق الصدمة. أن نروّضها بالكلام قبل أن تروّضنا بالواقع.
ربما لهذا يتحوّل كلّ لبناني، في لحظة ما، إلى محلّل. ليس لأنّه يملك إجابات، بل لأنّه يرفض أن يبقى بلا تفسير، والا لاختنق بالعبث والجدوى. بين المسيّرة المحلّقة فوق رؤوسنا، والنقاش الذي يعلو عليها، مساحة خوف نحاول ملأها بالكلمات. وعندما تقع الضربة فعلًا، تتبدّل الأدوار: يسقط الصوت العالي، ويظهر الإنسان العادي، الخائف، الذي يحتاج إلى من يمسك بيده.




