ليست هذه المرّة الأولى التي تتعرض فيها قناة "المنار" وإذاعة "النور" للقصف الإسرائيلي، لكنها استمرت، كما تستمر الآن بعد القصف الجوي الاسرائيلي الذي استهدف منشآتها فجر الثلاثاء. إسرائيل تعود إلى استهداف الإعلام والصحافيين، وكان آخر فصول هذا المسار قصف مبنى قناة "المنار" ومبنى إذاعة "النور" في حارة حريك. في هذه الجغرافيا، الإعلام جزء أصيل من المعركة، كجبهة موازية.
ورغم الدمار، جاء موقف المؤسستين واضحاً ومختصراً لـ"المدن": "البثّ مستمر. لا تراجع في الخطاب ولا تبديل في الاتجاه". العاملون فيهما يعتبرون ما جرى استهدافاً لدورهم في "سردية الحرب". بالنسبة إليهم، القصف ليس سبباً للتراجع، بل دافعاً إضافي للاستمرار في "الرسالة" التي يقولون إنهم اختاروها عن وعي، مهما تبدّلت الأمكنة وتكسّرت الجدران.
سنكمل الرسالة
داخل مبنى "المنار"، كان العمل يسير بشكلٍ طبيعي، مع إجراءات احترازية، كما يروي حسن حمزة، مراسل "المنار"، لـ"المدن". يصف لحظة الإنذار بهدوء يشبه اعتياد الخطر: "وصل خبر تهديد في حارة حريك، وعرفنا أن المقصود قناة المنار، فأخلينا المكان".
لا مفاجأة في الاستهداف، ولا دهشة في أن تتحوّل الكاميرا إلى هدف، فالصورة أيضاً تُقصف، "ليس مفاجئاً أن يستهدفنا العدو، نحن نخوض حرباً سردية"، يقول حمزة.
حرب رواية وصورة ومعنى، إلى جنب الحرب العسكرية. يراها "رسالة لنكمل".. فالقناة، كما يصف، كانت دائماً في طليعة الوسائل الإعلامية التي "تدافع عن قضايا الأمة وتقدّم الصورة الحقيقية عن هذا الكيان بأنه مجرم وقاتل ومحتل". ويضيف أنّ هذه الصورة "تفعل فعلها" في مواجهة سردية إسرائيل التي تقدّم نفسها بوصفها صاحبة حق، وهي المعتدية.
ويختم قائلاً: "ولا مرّة أثّر فينا الأمر لنعود خطوة إلى الخلف…بل كان حافزاً لأن نكون على الطريق الصح ونؤدي الرسالة الصح. سنستمر في الخط نفسه ونؤدي الرسالة نفسها".
استهداف مكرر
الاستهداف الأخير ليس معزولاً عن سياقه. في حرب تموز 2006، قُصف مبنى "المنار" وسُوّي مبنى "النور" بالأرض، وضُربت أعمدة الإرسال. أعيد البناء، وعاد البث. في حزيران 2025، استُهدفت مواقع البث التابعة للمؤسستين على تلال تومات نيحا في جزين. والمبنى الذي أعيد تشييده، بعد تدميره في 2006، عاد وتعرّض للقصف أمس.
"صوتنا لازم يبقى"
حنان الحسيني، المديرة العامة لإذاعة "النور"، تؤكّد أنّ طاقماً كان يدير العمل في الاستديو لحظة الاستهداف، "لكن لا خسائر بشرية".
بنبرة لا تخلو من التحدّي، تضيف: "نحن إعلام مقاومة، وأي شخص يقول كلمة حق هو مستهدف. عندما يختار أحد مهنة الإعلام، فهو يؤدي رسالة وطنية، خصوصاً في هكذا ظروف مع عدو محتل". وتذهب أبعد من ذلك: "ممكن نحتفظ بشيء من الركام لمتحف المبنى لاحقاً". وما يؤلم، كما تقول، ليس خسارة الجدران، "بل الشعور أنك خسرت مكاناً تنتمي إليه، يحمي الذاكرة. فيه أسرارنا وأحاديثنا وإطلالاتنا الإعلامية". المكان ليس مجرّد استديو، بل تراكم سنوات من الأصوات والوجوه والجوائز. ومع ذلك، الحسم واضح: "لن نأسف على حجر ولن نقف على الأطلال. نحن مستمرون، والبث متواصل، ورسالتنا حاضرة. هذا تحد يدفعنا للاستمرار أكثر. صوتنا يجب أن يبقى، بغض النظر عن الشكل غير المهم".
أرقام تتكلّم
في القانون الدولي الإنساني، كما في أدبيات منظمات حقوق الإنسان، يُفترض تحييد المدنيين والصحافيين والمنشآت المدنية عن دائرة النار. غير أنّ الوقائع في السنوات الأخيرة تسير في اتجاه معاكس.
اللجنة الدولية لحماية الصحافيين سجّلت العام 2025 أعلى حصيلة قتلى في صفوف الصحافيين منذ بدأت توثيقها العام 1992: 129 صحافياً وعاملاً في الإعلام. حمّلت إسرائيل مسؤولية مقتل 86 منهم خلال العام نفسه، وللعام الثاني على التوالي، تُصنَّف إسرائيل "أكثر حكومة مسؤولة عن قتل صحافيين" خلال ثلاثة عقودة.
في هذا السياق، لا يبدو استهداف مبنى للإعلام في الضاحية حادثةً معزولة، بل امتداد لتهشيم السردية. هكذا تُخاض الحروب اليوم أيضاً؛ على الهواء مباشرة، بين صاروخ يدمّر، وصوت يحاول أن يبقى.




