يواصل الممثل السوري محمد خير الجراح رحلته مع الخيم الرمضانية للسنة السادسة على التوالي. وفي حديث مع "المدن" فتح باباً على فهم مختلف لشكل الحكواتي المعاصر، موضحاً أن ما يقدمه لم يعد حكواتياً تقليدياً كما كان سابقاً، بل عرضاً مسرحياً قائماً على الحكاية لكنه يتحول إلى مشهد حي، حين تنقلب الحكاية إلى أفعال وردود أفعال، لأنه لا يقف وحده على المسرح، بل يشاركه ممثلان يتدخلان في السرد ويتأثران به، فتتكون حالة تفاعلية لا تعتمد على الراوي الفرد وحده.
وشرح الجراح: "يمزج العمل أكثر من حكاية معروفة ومتداولة في الثقافة العربية والعالمية داخل حكاية واحدة، مع انتقالات مرحة ومبهجة. كما يتم توظيف الأغاني بوصفها ردود أفعال درامية، لا كفواصل منفصلة، فتُستحضر أغانٍ من الذاكرة اليومية أو من التراث العربي أو من ذكريات الطفولة، وأحياناً إشارات إلى شارات مسلسلات، ويتم توظيفها ضمن قالب الحكاية المسرحية".
ويكشف مسار التجربة عن تطور تدريجي، إذ كانت البداية قبل ست سنوات في أبوظبي بصيغة خجولة وأقرب إلى الشكل التقليدي. في السنة التالية بدأ الجراح إشراك ممثلين آخرين، واتسعت الحكاية لتتحول إلى عرض يمتد بين 45 دقيقة وساعة بحسب طبيعة الحفلة وتفاعل الجمهور، كما أن عنصر الارتجال حاضر بقوة ليكسر به الجراح السرد فجأة للانتقال إلى تفاعل مباشر مع الحضور، أو إدخال حدث آني مثل مسلسل رائج حالياً، أو تعليق من أحد المشاهدين، ليتحول الجمهور إلى شريك فعلي داخل الحكاية.
وتطرح فكرة النص في عرض قائم على الارتجال، إشكالية خاصة، واستحضر الجراح مثال حكاية عنترة بن شداد بوصفها نموذجاً للحكاية الشعبية التقليدية، حيث الحب والصراع داخل القبيلة. داخل هذا الإطار يعاد تشكيل الصراع ليأخذ منحى مرحاً، وتدمج عناصر من "الزير سالم" أو من حكايات عالمية مثل "سندريلا و"ذات الرداء الأحمر" و"روميو وجولييت"، فتتشكل بنية مرنة ربما لا تكون منطقية بالكامل لكنها مسلية، لا تهدف لقديم درس فكري بقدر ما هي صناعة متعة رمضانية تتضمن ضحكاً وكلمات جميلة وأمثالاً طريفة.
والحال أن المقارنة بين العرض الحي والدراما التلفزيونية تكشف اختلافاً في طبيعة التلقي. لكن الجراح لا يرى تعارضاً بينهما، فمن يرغب في حضور عرض يمكنه تعويض حلقة مسلسل عبر المنصات والتطبيقات الرقمية، بينما يشبه العرض المباشر حفلة موسيقية لا يمكن تعويض متعتها عبر مشاهدة مسجلة. وأضيف الجراح: "الروتين يولد الملل، والإنسان يبحث دائماً عن كسره، والعرض لا يتجاوز الساعة تقريباً، ما يجعله مساحة ترفيه مكثفة".
وبالحديث عن الدراما السورية وما يتردد عن عدم رضاه عنها، أوضح الجراح أن التراجع في تواجده درامياً لا ينطلق من حالة رفض لها، بل بسبب الظروف التي مرت بها سوريا خلال السنوات الماضية وأثرت في حجم مشاركاته، كما أن معظم الأعمال تم تصويرها في لبنان، إضافة إلى أن الأعمال التي عرضت عليه لم تحقق طموحه الفني، باستثناء مشاركته في "تحت الأرض 2- جرد حساب" مع المخرج مضر إبراهيم، الذي خرج من السباق الرمضاني، لأسباب تتعلق بالعلاقة مع الجهة العارضة.
وأوضح الجراح أنه كان يعول على هذا المشروع لأنه يقدم شخصية جديدة بالنسبة إليه، لكنه لا يشعر بمرارة كبيرة، لأن العرض بعد رمضان ربما يمنحه مساحة مشاهدة أوسع بعيداً عن ازدحام المنافسة.
وعن تقييمه للأعمال الدرامية في رومضان الحالي، قال الجراح: "لست في موقع تقييم الإنجازات وهناك أعمال جيدة وممتعة وبمستوى عال جداً. أنا أتابع الدراما السورية أولاً، ثم الأعمال العربية والمصرية والمشتركة" مع اعترافه باستحالة متابعة خمسين مسلسلاً في موسم واحد. ومن حيث المستوى، لاحظ الجراح تطوراً تقنياً وبصرياً ملحوظاً، مقابل ميل بعض الأعمال إلى الإمتاع السريع على حساب مناقشة الأفكار العميقة، مع تكرار واضح في الحكايا كما في أعمال البيئة الشامية.
وقال الجراح أن مسلسل "أنا وهي وهيا" الذي يجمع باسل خياط وتاج حيدر، يبرز هذا الموسم "بعيداً من صخب الترند الذي يلعبه صناع الدراما وأهمية القنوات العارضة التي تجذب الجمهور إلى أعمالها من خلال وسائل التواصل الاجتماعي.. يسير هذا العمل بهدوء وفق معالجة فنية إنسانية ويستحق المشاهدة"، مضيفاً أن مسلسل "مولانا" يأتي في صدارة الأعمال المتداولة، يليه "بخمس أرواح"، مشيراً إلى رغبته في متابعة "سعادة المجنون".
وعن تجربة "ما اختلفنا 3" أشار الجراح إلى أنه لم يكن حاضراً في تصوير هذا الموسم، واللوحات التي يطل بها صورت العام الماضي، واصفاً إياه بالعمل الملفت والجيد على مستوى النصوص، خصوصاً أن الكوميديا باتت حصتها أضعف في السباق الرمضاني الذي يميل إلى العنف والجريمة والترندات السريعة، رغم وجود أعمال تحمل حساً ساخراً ذكياً.




