رئيس لجنة صناعة الدراما السورية لـ"المدن": لا مصادرة للأفكار

مصطفى الدباسالجمعة 2026/02/27
Image-1772058737
مروان االحسين: يجب التعامل مع أرشيف الدراما السورية بقراءة نقدية، لا بالحذف، ونعمل على تصور لإتاحته مع مواد توضيحية
حجم الخط
مشاركة عبر

أكد رئيس اللجنة الوطنية لصناعة الدراما في سوريا، مروان الحسين، أن اللجنة "لا تكتب النصوص ولا تصادر الأفكار، ولا تحل محل الكاتب أو المخرج"، مشدداً على أنه يؤمن بأن الحرية هي الأصل، مؤكداً أن الحرية "مسؤولية قانونية وأخلاقية".

وجاءت تصريحات الحسين، خلال مقابلة مع "المدن"، تحدث فيها عن حدود الدور الذي تؤديه اللجنة، وتطرق الى ملفات شائكة بينها أزمة النص، واستعادة ثقة الجمهور، وذلك في مرحلة اجتماعية وسياسية شديدة الحساسية من تاريخ سوريا بعد سقوط نظام الأسد، إذ أصبح من الواضح أن صناعة الدراما السورية ستشهد تغيرات جذرية  بعد عقود من استخدامها لتلميع صورة النظام المخلوع، وتجاهلت خلالها تلك الصناعة التلفزيونية تاريخاً من القمع. 

 

ما هي هذه اللجنة؟

يقول الحسين إن "اللجنة الوطنية للدراما جهة حكومية تابعة لوزارة الإعلام وتُعنَى بتنظيم شؤون قطاع الدراما بوصفه قطاعاً ثقافياً واستراتيجياً، لا مجرد صناعة ترفيهية"، وينطلق عمل اللجنة، من فكرة أن الدراما خطاب عام يصوغ الصور المتبادلة بين مكونات المجتمع ويؤثر في الطريقة التي ترى فيها الفئات المختلفة نفسها والآخر.

وحدد الحسين ثلاث مهام أساسية نص عليها قانون إنشاء اللجنة، تتمثل في وضع السياسات العامة والضوابط المُنظمة للعمل الدرامي، والتقييم الفني والمضموني للأعمال بما ينسجم مع القواعد التنظيمية المعتمدة، مع دور تنظيمي واضح قدمه باعتباره ضابط إيقاع لمنع التحريض والتنميط والتشويه المتراكم الذي قد يطاول فئة اجتماعية معينة عبر أعمال متعددة.

 

ملفات الساحل والسويداء والقضية الكردية

ويتعامل الحسين مع "الأسئلة الصعبة" في الدراما بوصفها "كل ما تعرض في الماضي للتزييف والتعميم والصمت القسري، من الصور النمطية إلى الذاكرة القريبة والبعيدة والتوترات الاجتماعية"، موضحاً أن مواجهتها تكون عبر طرحها على الشاشة في معالجة موضوعية ومتوازنة لا تشيطن أي فئة ولا تمنح أحداً براءة مطلقة بلا سند معرفي. 

ومن هذا المنطلق، تعتبر اللجنة أن ما حدث من انتهاكات ومجازر في مناطق مختلفة من الساحل السوري في آذار/مارس 2025، والسويداء في تموز/يوليو، فضلاً عن ملفات القضية الكردية شمال شرقي سوريا، يمكن أن تكون مواد درامية مشروعة إذا عولجت بوعي مهني ومسؤولية أخلاقية، مع الالتزام بالحقيقة الموضوعية ورفض تحويل واقعة جزئية إلى حكم شامل، أو سلوك فردي إلى سياسة ممنهجة. 

وتنظر إدارة التقييم إلى هذه الأعمال من زاوية التوازن، فتسأل إن كانت الصورة في سياقها، وإن كانت تبتعد عن التعميم وتسهم في الفهم بدلاً من تأجيج الانقسام، في محاولة لجعل الدراما أداة وعي وبناء، تحافظ على السلم الأهلي، مع حماية حرية الكاتب في الاقتراب من المناطق الحساسة، ومنع أي خطاب يعيد فتح انقسامات مجتمع خرج من نظام قمعي وحرب طويلة.

 

الخطوط الحُمر 

ويوضح الحسين أن مفهوم الجرأة المسؤولة لا يعني رقابة مقنّعة، بل مجموعة حدود تنطلق من مبادئ تحكم المجال العام، وتعتبر الحرية أصل الفضاء الدرامي مع ربطها بالقانون وحماية السلم الأهلي، وتمنع ما يندرج ضمن التحريض على الكراهية أو العنف وازدراء الأديان وتبرير الجرائم، والدعوة الصريحة لخرق القوانين أو تقويض الاستقرار.

أما قرارات التخفيف أو التأجيل أو المنع، فيربطها الحسين بالسياق الزمني وطريقة المعالجة، إذ يمكن طلب تعديل أو تأجيل عمل إذا كان توقيته يسبب احتقاناً اجتماعياً، مع بقاء القرار النهائي ضمن صلاحيات اللجنة، ووجود آلية مراجعة داخلية تعيد النظر في القرارات بناءً على اعتراضات مبررة. 

وفي ما يخص الاعتراضات المجتمعية على الأعمال الحساسة، يؤكد أن اللجنة ليست في مواجهة مع الجمهور، ولا في خصومة مع صنّاع العمل، بل تعيد دراسة المشاهد المثيرة للجدل أثناء التصوير أو بعد العرض وفق المعايير المعتمدة.

 

استحقاق مؤجل

ورأى رئيس اللجنة أن ما يجري اليوم في قطاع الدراما، "هو استحقاق مؤجل بعد سنوات من تقييد الحرية وتوجيه الخطاب الإعلامي والدرامي أحياناً نحو تنميط فئات اجتماعية أو اختزالها في صور مشوهة"، وربط بين هذه المرحلة ومزاج جماهيري عام بأن المنظومة الدرامية القائمة تقدم صوراً غير عادلة أو منقوصة، وتبتعد عن الأسئلة الحقيقية أو تبرر السياسات عوضاً عن مساءلتها.

واعتبر الحسين أن الحديث عن مرحلة جديدة في عالم الدراما اليوم، يستند إلى سببين، الأول ارتفاع سقف الحرية وفتح مساحات أوسع للنقاش من دون خوف أو انتقائية، والثاني يظهر عبر انتقال مركز الثقل من تمجيد الأشخاص أو تقديم سرديات تبريرية للسلطة إلى "التركيز على قيم المجتمع بوصفها أساساً، والأفكار والسلوكيات بوصفها محل التقييم والنقد"، مقدماً بذلك معياراً لتقييم الأعمال لا ينطلق من الولاء والخصومة، بقدر ما ينطلق من علاقة العمل بقيم العدالة والكرامة والسلم الأهلي.

وتحدث رئيس اللجنة عن انتقال تدريجي نحو نمط "أكثر مؤسسية ووضوحاً"، يقوم على معايير مكتوبة و نقاشات مهنية بدلاً من الاجتهادات الفردية والاعتبارات الخارجة عن السياق الفني.

 

مكتب المعالجة الدرامية

في الآلية، تقوم اللجنة عملياً بإحالة النصوص إلى إدارة التقييم، التي تقرأها بدورها قراءة فنية وأدبية ومضمونية دقيقة، فإذا انسجم النص مع اللوائح والمعايير، تُمنح الموافقة وتُسهَّل إجراءات التصوير، أما إذا ظهرت إشكاليات تمس السلم الأهلي أو تنطوي على تعميم، فتُعقد جلسات حوارية مع الكاتب والمنتج للوصول إلى صيغة متوازنة تحفظ الفكرة الإبداعية وتمنع الخطاب التحريضي. 

كما استحدثت اللجنة "مكتب المعالجة الدرامية" كمساحة تطوير مهني، إذ يقدم ملاحظات اختيارية لتحسين البنية الدرامية والمستوى الفني من دون إلزام للجهات المنتجة، بالتوازي مع العمل على إجراءات مكتوبة وواضحة للموافقات والتراخيص، وصيغة حوار مفتوح مع الكتّاب وشركات الإنتاج تقوم على النقاش والتكامل بدلاً من منطق الأمر والنهي.

 

التنوع السوري وورش الكتابة

ويرى الحسين أن تمثيل التنوع السوري يكون عبر الأزياء واللهجات والطقوس والشخصيات الكاملة إنسانياً والتي تنتمي إلى بيئات مختلفة من دون تنميط أو شيطنة، لذلك تشجع اللجنة النصوص التي تخرج من المركز التقليدي للحكاية، وتمنح مساحة للمناطق التي لطالما تعرضت للتهميش.

من هنا، ينتقل إلى ما يسميها "أزمة النص"، كحاجة ملحّة إلى بيئة تطوير أكثر احترافية واستقراراً، فتعمل اللجنة على ورش كتابة جماعية ومختبرات تطوير مبكرة، وتتيح الوصول إلى مصادر موثوقة ووثائق رسمية عند تناول موضوعات حساسة، وتنظم حوارات مبكرة بين الكتّاب وإدارة التقييم. 

ويؤكد أن الكاتب الذي يقترب من ملفات الاعتقال والنزوح والعنف الأهلي والفساد، يحتاج إلى معلومة دقيقة، وحماية مهنية، ومساحة آمنة للنقاش، وأن دور اللجنة هو توفير إطار قانوني ومعلوماتي يمكّنه من الكتابة بثقة.

 

الاستثمار والتمويل واستقلالية المحتوى

ويلخص الحسين رؤية اللجنة الاقتصادية باعتبار الاستثمار في الدراما مشروعاً لبناء صناعة متكاملة تشمل البنية التحتية والتدريب ورفع الكفاءة واستقرار سوق العمل، لذلك تعمل اللجنة على مسارات ثلاثة: ربط أي استثمار بمعايير مهنية تخص جودة النص وخطط الإنتاج والتوزيع، ودعم مشاريع تخلق بيئة تدريب مستمرة، وتشجيع الشراكات التي تنقل خبرة وتقنية لا مجرد أموال. 

كما يربط الحسين استقلالية المحتوى بسياسة عامة مُنظِّمة للقطاع، تضع معايير عليا لا يمكن تجاوزها مهما كان مصدر التمويل، وشفافية في العقود تمنع تحول التمويل إلى أداة لفرض سردية أيديولوجية أو تجارية، مؤكداً أن اللجنة ترحب بالتمويل الخاص والإقليمي ضمن إطار وطني يحفظ الهوية السردية السورية ويمنع ذوبانها أو تبعيتها الكاملة لمنصات وأسواق خارجية.

 

استعادة ثقة الجمهور والاشتباك مع الأرشيف

يرى الحسين أن استعادة ثقة الجمهور تحتاج إلى مسار يقوم على الصدق والاتساق، ويشير إلى أن الجمهور السوري فَقَدَ هذه الثقة عندما شعر أن الدراما لا تمثله، أو تنمطه، أو تحول ألمه إلى خلفية للترفيه، كما حدد ثلاث خطوات أساسية لاستعادة الثقة، تبدأ بنقل الحقيقة مع سقف حرية مرتفع ومسؤول، كما تتجنب تشويه أي فئة اجتماعية أو تقديمها كتلة واحدة، فضلاً عن احترام وعي الجمهور سردياً وأخلاقياً.

وأكد رئيس اللجنة أن الأرشيف القديم للدراما السورية هو جزء من الذاكرة الثقافية ونتاج لسياق سياسي واجتماعي محدد، ويجب التعامل معه عبر قراءة نقدية واعية لا عبر الحذف، موضحاً أن اللجنة تعمل على تصوّر لإتاحة هذا الأرشيف بشكل منظم، مع مواد توضيحية تساعد على فهم الظروف التي أُنتجت فيها تلك الأعمال، بما يسمح بتفادي تكرار الأخطاء والاستفادة من المنجز الفني في الوقت نفسه.

 

هجرة الكفاءات وشراكات مستقبلية

ويرى الحسين أن هذه الظاهرة تفاقمت نتيجة ظروف إنتاجية واقتصادية معقدة، معتبراً أنها تحدٍّ وفرصة في الوقت نفسه، وأوضح أن خطة إعادة الربط ستعتمد على تحسين شروط الإنتاج المحلية، وفتح المجال لشراكات إنتاجية يكون فيها القرار الإبداعي "متوازناً"، مشدداً على أن الهدف ليس إقفال السوق السوري على نفسه ولا تحويل الدراما السورية إلى ملحق للسوق الإقليمي، وإنما الوصول إلى وضع تكون فيه شريكاً كاملاً.  ويراهن على أن ترسيخ معايير مهنية واضحة واستقرار انتاجي، سيجعل عودة الكفاءات -ولو تدريجياً- نتيجة طبيعية. 

 

جاري التحميل...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث