بُرجي الدلو..وأقول لا

رولا الحسينالخميس 2026/02/26
Image-1772046368
اللوحة بريشة رولا الحسين
حجم الخط
مشاركة عبر

فهمت مؤخراً أنني بالمقارنة مع آخرين أقول "لأ" بكثرة، متخطيةً الكوتا المقبولة، أو بالأحرى المعتقد أنها "طبيعية" ومتوقعة. الرفض عموماً أو الـ"لأ"، لا تشكل أمامي أي عقبة، أقولها بكل راحة ضمير ومزاج. ومزاجي يطلب القليل، وبالتالي أُكثر من الرفض. وبطلبه القليل ورفضي الكثير، قد أُسمّى "مزاجية بامتياز"، وهذه أمر لا أحتاج لتبريره، لكنه طبقة واحدة فقط من الحقيقة، وقد تظهر طبقات أخرى في السطور التالية.

 

أنا مثلاً لا أرد على اتصال لست جاهزة له، ولست جاهزة لأي اتصال في أي وقت، وبالتالي أنا لا أرد أبداً، إنما قد أعيد الاتصال عندما أستجمع جهوزيتي، وبجهوزيتي أعني تطويع مزاجي حسب إيقاعي. لا أرد على رسالة، إلا حسب توقيتي، لا أجلس إلا في المكان المناسب لي في المقهى، وإن كان غير متاح، أتمشى أو أتململ حتى يصبح لي مجدداً. لا أغيّر المقهى بناءً على طلب صديق، إلا حين يناسب مزاجي، أو أقنع مزاجي، لكن من دون ضغط. أحياناً، إذا كنت قد استخدمت كل كوتا الـ"لأ" مع الصديق، أوافق وأعدل مزاجي في أثناء السير إلى المقهى الجديد. لا ألبي دعوات كثيرة للقاء أشخاص أعرفهم من دون أن يكونوا أصدقاء، لا ألبي رغبات الأصدقاء بتوسيع دائرة معارفي، وبالتالي فرصي. لا ألبي دعوات كثيرة للأصدقاء، لا أفتح الباب عندما يدقّ إذا لم أكن أنتظر أحداً، لا أستبدل خطتي لمكونات وجبة الفطور... لا أغير عادتي، إلا إذا أنا قررت أن أغيرها، واخترت موعد التغيير ومدة الانتقال من العادة القديمة للجديدة، وبعد اختيار العادة الجديدة.

 

بحثت في ذكريات السنوات الماضية عن بداية هذه الـ"لأ".

أولها كان عندما توقفت عن تناول الخضار النيء في عمر الثالثة. السبب حينها كان صحياً، لأنها كانت تؤذي أمعائي المريضة، لكني تبنيت الـ"لأ" حتى بعد شفائي. وحتى الآن، كل من يعرفني، يعرف أن ساندويتشاتي مهما كانت، لا يمكن أن تتضمن البندورة أو الخيار أو الخس أو الفجل أو الزيتون أو الكبيس. "لأ" للخضار النيئة. نعم، حتى ساندويش الفلافل أتناوله حصراً مع طراطور، ونعم لا آكل الفتوش.

 

"لأ" أخرى أتذكرها لازمتها عبسة، حين كنت أرفض التجاوب مع طلبات العائلة: "لأ" لا أريد أن تصوروني. لكن الصورة أُخذت، فقط لأنهم ضحكوا علي وأقنعوني أن المطلوب مني فقط أن أقف خلف أخي الذي يصغرني، وكان أقصر مني، وأن أضع يديّ على كتفيه كي يصوروه هو. فصدّقت. والعبسة موجودة ودليل الـ"لأ".

 

اللاءات الأخرى التي أتذكرها، كان معظمها موجهاً لأبي وأمي.

"لأ" لا أريد أن أرافقكم في زياراتكم لمنازل أصدقائكم، لا أحد من أولادهم من عمري. رفضوا، أصرّيت، فوافقوا.

"لأ" لن أنصاع لرفضك سفري إلى تركيا مع فرقة الدبكة في المدرسة، بالرغم من رسوبي في صفي. رفضتُ فانصاعوا.

"لأ" لا أريد أن أستكمل الدراسة في هذه المدرسة، وأريد أن أنتقل إلى مدرسة مهنية بدلاً منها... وانتقلت.

"لأ" لن أعود للنوم في البيت في نهاية كل يوم من أيام المخيم الكشفي، وسأنام... ونمت.

"لأ" لن أقبل رفضكم سفري إلى فرنسا مع الكشّافة... وسافرت.

"لأ" سأصبغ شعري أحمر.

"لأ" سأتحدث أثناء تناولنا وجبة العشاء.

"لأ" لن أذهب معكم إلى الضيعة في نهاية الأسبوع.

"لأ" لن أرتدي قميصاً فوق بلوزتي لأغطي كتفيّ لحين أصل خارج الحيّ.

"لأ" لن أطلب من عباس أن يأخذني من الحي الثاني، بل سينتظرني أمام بنايتنا.

"لأ" لن أسمح لأحدهم أن يعكر صفو جلستي بسلامه، فأدخل عندما ألمحه قادماً من بعيد، وأخرج بعد مروره كي لا أردّ على "المرحبا".

"سأغسل الصحون، لكن لاحقاً عندما أصبح جاهزة"... 

 

لاءات كثيرة قلتها، ولا أزال. لاءاتي الآن، على الأقل، ليست محصورة في شخصيتي التي يمكن أن أقول عنها أنها – أو كانت – متمردة.

لاءاتي مرتبطة براحتي ومزاجي وحساسياته العالية التي أحترم كل درجة منها. لاءاتي تقلل معارفي، وتقلل مشاريعي الصغيرة قبل الكبيرة، أو بالأحرى مشاريعهم معي لأني لا أخطط لمشاريع ولا أسعى إليها. لاءاتي تقلل حتماً من فرصي، لكنها فرص تتعارض مع مزاجي. 

 

لاءاتي تُفهم من قِبل كُثر على أنها أو أنني "جفصة" أو متعالية، وفي أحيان كثيرة تُستقبل كـ"بخعة"، لكنها "بخعة" فقط لأن السائل كان ينتظر "نعم"، بالرغم من عدم تفهمي للـ"نعم" المتوقعة إلا أنها لا تبخعني كما تبخع لاءاتي كثيرين. لا تحرجني الـ"لأ"، لكنها تربك الآخرين. والإربكاك يأتي بعد البخعة أو يلتبس معها. ويُفتح باب لديهم لمحاولة فهم سبب هذا الإرباك.  فتوقُّع الرد بتلبية الدعوة أو الحديث أو اللقاء أو... مرتبط بلاءات كثيرة لم يتمكنوا من قولها، أو أنهم عندما قالوها قوبلت برفض، فتحولت إلى "نعم". 

 

وفي إصراري من خلال لاءاتي على ما يريده مزاجي، فأنا أتخلى عن الكثير والكثيرين طوعاً، وأتخفّف من كل ثقل، كمحادثة لا أريد المشاركة فيها، كرأيٍ لا يهمني الاستماع إليه، كابتسامة ليست شفتاي جاهزة لها. حتى جلوسي المتكرر في الأمكنة نفسها لأوقات طويلة، هو مجرد عبور. أنا ملتزمة فقط بما أشعُر. 

 

الرفص والاعتراض وعدم المشاركة أو تلبية الدعوات، ليست لإثبات أمر ما، إنما تنبع من رغبة وحاجة شاسعة بعدم الالتزام، إلا بالشيء الذي تقرره نفسي، مهما تطلب ذلك وقتاً. في الالتزام المفروض عليّ، قيد، وإن كان من حرير. وأمام ضغط طلبات الآخرين – مهما صغر ومهما استغربوا من اعتباره ضغطاً إلا أنه كذلك وضغط كبير أيضاً – أتصرف كالتالي: أوافق، ثم أعتذر لاحقاً. أو أرفض كي أتحرر من ضغط الطلب. وبعد أن أتحرر من الالتزام بالإجابة أو القبول، أستطيع أن أكتشف رغبتي الحقيقية، بعيداً من الضغط، فإما ألتزم بالرفض أو أعود عنه وأنضمّ. 

 

أي شيء يمكنه أن يكون ضغطاً: نظرة قلق، ترقب إجابة، الاستماع إلى تفاصيل مكررة، الاستماع إلى تفاصيل لا تعنيني... فضولي اتجاه معظم الأمور، قليل. وبالتالي رغبتي بتوسعة رقعة المعارف أو المناسبات أو المعلومات أو الهوايات أو الأماكن، محدودة جداً أفقياً، لكن إلتزامي بها عمودي. ما أحبه أعرفه، وأكرره وأكرره وأكرره... وكل فائض تشويش. 

 

أُترُك المعلومة قربي من دون أن تطلب مني الاطلاع عليها. 

لا تقترح أن تُسمعَني أغنية، أرسِلها وانسَ الأمر، وقد أستمع إليها.

إذا كانت معرفتنا محدودة (وأنا متأكدة أنها محدودة)، لا تقترحي أن نحدد يوماً لنلتقي. قد أقول: "إيه أكيد، ضروري"، فقط لأني أريد إنهاء المحادثة في أسرع وقت ممكن. لن نلتقي إلا صدفة. لكنك، إذا اقتحمتِ مساحتي، وأصرّيتِ على إجابة، سأحرجك مجبرة وأقول: "لأ". لا أقصد إحراجك بهذه الـ"لأ"، لكنكِ ستعتبرينها كذلك... لقد سعيتِ إليها.

 

الـ"لأ" هي احترامي الكبير لمساحتي. وهي تمسّكي براحتي. وهي إدراكي العميق لما أرفض أن يزعجني، كالبندورة في ساندويش فلافل. ولا آبه إن كان الكوكب كله لا يأكل الفلافل إلا مع بندورة، وربما لأجلها.

 

إذا لم تنجح السطور أعلاه في توضيح طبقات رفضي وأسبابه، فلعله لم يبقَ سوى أن أضيف: أنا من مواليد برج الدلو.

 

جاري التحميل...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث