أعادتني الذاكرة ليلة أمس إلى موقف واجهته أثناء مغادرتي مكان عملي. شاب يعتلي دراجة نارية خفّف سرعتها وتحكّم بها لتوازي خطواتي التي بدأت بالتسارع. لم يعد هناك فاصل بيني وبينها، حينها أدركت بأن الشاب يتعمّد ذلك. تحرّش لفظياً حتى أني صرخت بوجهه ووقفت لأنظر في عينيه مباشرة. أمر قد يتكرّر آلاف المرات مع الفتيات، لكن هذا ليس ما استدعى ذاكرتي، إنما موقف زميلتي التي بدأت تسحبني من يدي وكأني أقترف المحظور الذي يجلب لسمعتي وسمعتها العار كونها ترافقني في المسير. سرعان ما التمّ عددٌ من الرجال ليلقنوه درساً، بعضهم بضربه وآخرون بشتمه. لم تكفّ زميلتي عن اللوم: "عجبك اللي صار؟! هي فضيحة بنصّ الشارع!" لتطرح القصة في اليوم التالي، والمفاجأة أن بقيّة الموظفات أيّدنها وأدنَّ ردّ فعلي.
"فضحتينا!"
لم تكن زميلتي وحدها، بل مجتمع بأكمله استثنى قلّة فقط ممن يرون التحرش جرماً يقع على فاعله فيحمل كامل مسؤوليته. منذ الأمس وأنا أتابع تعليقات دوّن أصحابها قناعاتهم إزاء حادثة التحرّش الجماعي في مدينة البصرة العراقية، حيث تعرّضت فتاة قاصر لفعل، أقل ما يقال عنه أنه شائن، ليلة احتفالات عيد رأس السنة. جمعٌ غفير من الشبان تزاحموا للتلذذ بجسدها الغضّ من خلال ملامسات حيوانية تفضح غرائزهم المكبوتة. تهجّم كثيرون على أهل الفتاة، يبررون من حيث لا يدرون الفعل الهمجي للمجرمين، ألقوا جزءاً من مسؤوليته على الضحية وذويها. ذاك الميزان الأعرج أعاد لذاكرتي موقف زميلتي التي حاضرت طوال الطريق بعفّة الفتاة وخجلها اللذَين يمنعانها من إبداء أي ردّ فعل اتّجاه متحرش، بل تجاهله. حسناً، لست مُصلحة اجتماعية، وليست مهمّتي تأديب المتحرّش بأخلاق أفلاطونية تنقله ورصانتي إلي المدينة الفاضلة علّه يرتدع خجلاً أو مللاً. هناك من اقترف ذنباً بحقّي وعليه أن يخجل هو من ردّ فعل "فاضح"، لا أنا.
حرامي الدجاج
في المجتمعات القروية كان لصّ البيض والدجاج، يدور به المزارعون في أزقّة القرية. ترميه الصَِّبية بالبيض وهم يصرخون لتعريته: "حرامي، حرامي!" ويبقى لقبه "حرامي الدجاج" ليتوارثه أحفاده.
كون المتحرّش قام بانتهاك لحقوق الإنسان، وليس بسلوك عابر؛ يتضمّن القانون إجراءات صارمة لردع هكذا انتهاكات. في العراق مثلاً يعتبر التلفظ بألفاظ خادشة للحياء، تحرشّاً لفظياً، وجبت المعاقبة عليه وفق المادة 402 من قانون العقوبات العراقي 111 والمعدّل العام 1969. تفاصيل العقوبة:" أي لمس جسدي غصباً عن صاحبه/ته يُعتبر هتك عرض يصل جرمه للسجن 7 سنوات". المشكلة ليست في القانون بل في تطبيقه الخجول، أو في امتناع الضحايا من الادّعاء. إذ أن الطب العدلي سجّل421 حالة اغتصاب خلال 6 أشهر فقط في العام 2024. وبالرغم من أن محافظ البصرة أعلن القبض على عدد من أولئك الشبان، إلا أني أعتقد أنه، ولولا تحويل قصة "فتاة البصرة" إلى قضية رأي عام هزّت الشارع العراقي، لمرّت مع مساءلة خجولة، إن لم تكن معدومة.
أتذكر مسلسل "عصيّ الدمع" للمخرج السوري حاتم علي، حيث حكمت قاضية على متحرش لفظياً بالسجن لمدة عام مع تعويض مادي يعادل ألف دولار أميركي، وفقاً للمادة 518 والفقرة الثانية من المادة 208 من قانون العقوبات، الأمر الذي استهجنه شقيق الجاني لأنه "ولد ولطّش بنت، متلو متل كل هالشباب"، ولم يكن الأخ المستنكر للحكم على دراية حتى بوجود هكذا إجراء قانوني يمكن أن يكون حقّاً مشروعاً لأي فتاة تُسلب أمان التنقل في الأماكن العامة.
"لولا لباسها.. لولا خروجها.."
بالرغم من أن التحرش ظاهرة لا يمكن السيطرة عليها ومنعها؛ فما يثسير الرعب هو الإصرار الجماعي على أن الفعل طبيعي، وبالتالي المُضي به لأقصى الحدود الممكنة. هذا البرود المخيف يفتح ألف سؤال حول تدني المجتمعات لوحل القاع الأخلاقي حين تنهار منظومة الضبط الاجتماعي بعد الحروب ونتيجة ضعف المؤسسات والاستخفاف بتطبيق القانون. يتحوّل الفعل الأخلاقي إلى نزعة فردية خجولة ومعقدّة. فتغيب البوصلة الأخلاقية والاجتماعية بحسب نظرية "العقل الجمعي" لدوركهايم. ويزيد معدّل الجريمة ويهترئ التضامن بين الأفراد، وتنتقل الأخلاق من لغة الواجب إلى لغة المسؤولية الفردية، مما يزيد العبء والتوتر، لتتبدد الثقة بين الأفراد بل بينهم وبين حكومتهم أيضاً. وهنا يصبح التحرش مشهداً اعتيادياً لقضية اجتماعية هامشية يمكن تخطيه والنوم بعد رؤيته بسلام من دون كوابيس.
أي محاولة لاعتراض الضمير يُسكته صاحبه على الفور: لمَ خرجت من المنزل؟ لو أنها اجتنبت هكذا أماكن مشبوهة/مزدحمة لما جرى كل هذا، لولا لباسها الفاضح، بالتأكيد هي من فتحت الباب لهذا بفعل مائع أو ضحكة منحلّة، لا بدّ أنها نشأت في منزل غابت عنه التربية... ثم ماذا عن اللواتي يتعرضن للتحرش وهنّ في منازلهن من قبل من يُعدّون حماة العَرض؟ وحدها تدفع ثمن الخطأ في مجتمع كُسرت تاء تأنيثه فصارت مشجباً تُعلّق عليه أمراض المجتمع بدلاً من الاعتراف بها وإيجاد سبل لحلّها، لأنها الحلقة الأضعف. هي العورة التي وجب حجبها عن أيّ حقّ، تغييبها عن ترهات التمكين والحقوق!
والآن، هل نبدأ من الصفر؟ من المدرسة والتعاليم الدينية؟ من رقابة الأهل ومكافحة المخدرات؟ هل لدينا وقت؟ أم نطبّق القانون بأقصاه للردع؟ لن أستشهد بفلاسفة أو علماء اجتماع، كما لن أشرّح خطب الجمعة أئمة المساجد التي تركّز على حشمة المرأة في لباسها ولا تؤسّس لضرورة غضّ البصر والرادع الديني. لن أجاري النسوة في النميمة عن تقصير الأمهات والآباء في تربية بناتهن. فقط سأضمّ صوتي لإيمان المالكي، رئيسة حقوق الإنسان والطفل في مجلس محافظة البصرة، والتي أعلنت عبر صفحتها الشخصية في فايسبوك أن مسؤولية حماية الطفولة من التحرش، جماعية، بل وطالبت بأقصى العقوبات الرادعة لتلك الجريمة الجسيمة.
الطبطبة على المتحرش
في طريق المادة إلى التحرير، استدعيتها للتعديل، إذ أن الرأي العام المصري هضجّ مؤخراً بقصة "فتاة الأوتوبيس" حين ظهر مقطع صوّرته فتاة استقلّت حافلة نقل عام، فتعرّضت لتحرش لفظي من قبل شاب تهجّم عليها فيما تصوّره، مستنكراً ثيابها: "إيه اللي انت لابساه يا قليلة الأدب". تعدٍّ صارخ على الحريات العامة والخاصة، في بلدٍ وصلت فيه نسبة النساء اللواتي تعرضن للتحرش 99,3% وفقاً لدراسة أجرتها الأمم المتحدة العام 2013، ورغم تأكيد الدراسة على أن جميع الفتيات وبغض النظر عن أسلوب لباسهن تعرضن للتحرش.
المرعب مجدداً هو ردّ الفعل الجماعي الذي تبناه الحضور: توجيه اللوم للفتاة، في حين بدا أحدهم يطبطب على الجاني الذي تم إخلاء سبيله بكفالة مالية بلغت ألف جنيه مصري، على أن يُستكمل التحقيق الذي توصّل إلى أن الشاب تتبع الفتاة أكثر من مرّة وعرّضها للخطر، وأن جرم التحرّش وقع قبل أن يصعد إلى الحافلة. هناك من ألقى اللوم على الفتاة لأنها تضع قرطاً في شفتها! وجنحَ البعض إلى تصوير الشاب كبطل ورمز للرجولة الغيورة، مؤكّدين كلام سيمون دي بوفوار في كتابها "الجنس الآخر" على أن التحرش لا ينبع من رغبة جنسية، بل لفرض السيطرة وترسيخ فوارق القوة بين الجنسين.
والسؤال الذي يلحّ في خاطري: كم مرّة سأستدعي هذا الملف من المطبخ التحريري قبل نشره؟!




