حزب الله المحظوظ بخصومه

نور الهاشمالثلاثاء 2026/02/24
حشد جماهير حزب الله في بيروت الروشة(مصطفى جمال الدين)
يلتقي خطاب المعارضين مع خطاب "حزب الله" في العجز عن طرح حلول عملية (أرشيف - مصطفى جمال الدين)
حجم الخط
مشاركة عبر

خطان لا يلتقيان من الردود، يجدهما متصفّح منشورات المعارضين لـ"الثنائي الشيعي" في الشبكات الإجتماعية. يتصدر الخط الأول، أنصار الثنائي الذين يكيلون تهماً للمعارضين، لا تخلو من "الصهينة" و"الأَمرَكة" و"التآمر على الموجوعين".. فيما يتصدر الخط الثاني، معلقون يغلب على أسمائهم الطابع غير الشيعي، يكيلون المديح للناشطين، يثنون على مواقفهم ويؤيدون اصطفافهم السياسي. 

 

هذا الانقسام، طبيعي ومفهوم في بلد تأخذ فيه الإصطفافات البُعد الطائفي. تعزّزَ بعد الحرب الأخيرة، واستعر في مرحلة ما قبل الانتخابات النيابية، ليأخذ شكل التنافس وتسويق الذات والمشروع، وهو حقّ لا لُبس فيه، تماماً مثلما الاختلاف حق، والمعارضة حق، والاصطفاف حق، وتقديم المصلحة الإنتخابية حق ديموقراطي أيضاً.. مما يجعل تجريم الناشطين والطامحين وتخوينهم، جريمة أخلاقية، وذلك لحماية الحق في الاختلاف والتعبير، والحفاظ على ما تبقى من قيم ديموقراطية. 

 

مسار سياسي متعثّر

غير أن الدفاع المبدئي عن الحق في المعارضة، لا يمكن أن يلغي الحق في النقد لمسار سياسي تعثّر منذ العام 2005، ويبلغ التعثّر ذروته الآن، في ظل خطاب لا يلاقي هموم الجنوبيين، وتحديداً من الطائفة الشيعية التي يرهقها الدم والدمار، وتعيش قلقاً وجودياً في ظل الضربات الإسرائيلية اليومية. يبدو بعض المعارضين لـ"الثنائي" في خطابهم السياسي، قادماً من حقبة الخمسينيات، رغم تبدل الظروف. 

 

والطائفة اليوم، تحتاج الى أمرين: الأمان، وإعادة إعمار ما هدمته الحرب.. ويجادل المعارضون في أسباب عدم توافرهما، ويقولون إن ما تبقّى من سلاح الحزب، يمنع عن الشيعة شعورهم بالأمان، ويحرم الطائفة من فرصة إعادة الإعمار. قد يكون هناك شيء من الصحة في تلك التقديرات، لكن المشكلة في خطاب المعارضة، أنه يوصّف المشكلة، ولا يطرح الحلول العملية. 

 

التقاء الحزب ومعارضيه

يلتقي خطاب المعارضين مع خطاب "حزب الله"، في إيكال مهمة الدفاع للدولة اللبنانية. يطرح كل منهم الحل، من زاويته. الحزب يوكل المهمة للدولة، لعلمه بأنها عاجزة عن تحقيق الأمن. فكلما أمعنت إسرائيل في استهداف مدني، أو أصدرت إنذاراً بالإخلاء، غرقت الدولة اللبنانية شبراً إضافياً في مهمة "حصر السلاح" وكسب ثقة الجنوبيين، وعليه يسوّق الحزب نظرية فشل الدولة في الحماية، وهو خطاب واجَهه رئيس الحكومة نواف سلام في زيارتين الى الجنوب، كما يواجهه رئيس الجمهورية جوزاف عون، كلما نفذت إسرائيل ضربة في الداخل اللبناني. 

 

أما المعارضون، فيطرحون الحل بوصفه الملاذ النهائي للجنوبيين. يقارع هؤلاء واقع أن تجربة المقاومة، واستطراداً الحزب (التي انتهت عملياً في 27 تشرين الثاني 2024)، أتاحت لسكان الجنوب الإقامة في الشريط الحدودي طوال 17 عاماً، بين 2006 و2023، للمرة الأولى منذ 1948، قبل أن تنهيها "حرب الإسناد". يغرقون في دائرة مفرغة، تكشف شح البدائل، والشح في الإبتكار، طالما أن هذا الخطاب يستفيد منه الحزب. وبات الجنوبيون على قناعة بأن تجربة 15 شهراً من الهدنة، لم تُعدهم الى منازلهم.

 

البديل عن "حزب الله"

اللافت في طرح الحلول، أن أياً من أصحابه لم يطرح بديلاً عملياً لخطاب "حزب الله" الاحترابيّ الدائم، مثل فكرة معاهدة دفاعية مع واشنطن يمكن أن تعيد الجنوبيين الى ديارهم، وهو أمر يمكن أن يحقق الأمان لهم.. كما لم يقدم هؤلاء أنفسهم كقادرين على التواصل مع العالم، بما يشكل ضغطاً على إسرائيل.. ولا قدموا أي مبادرة يمكن أن تموّل إعادة الإعمار، في ظل الموانع الإسرائيلية. والحال إن مبادرات المعارضين لا تتعدى كونها نشاطاً في الإعلام وفي مواقع التواصل، فيما لا يمتلكون أي حلّ لضمانة عودة السكان، وإعادة إعمار أرزاقهم. 

 

يتجاهل كثير من المعارضين، أن الشيعة لا يمكن حصرهم في "حزب الله". فنتائج الحرب، لم تطاول الحزب وحده، بقدر ما طاولت أصول الشيعة عموماً ومكتسباتهم المادية.. ولا تزال. يبحث الشيعة عن ضمانات تضع حداً للنزيف، ولا يهتمون للجهة التي ستحميها، تماماً مثلما لا يهتمون للطموحات الشخصية لكثيرين ممن وفّرت لهم معارضة "الثنائي" مصدر رزق! ومع أن هذه الحقيقة قاسية، إلا أنها واقع لا يمكن نكرانه.. وإلا، كيف يمكن لمعارض أن يرى في إحياء "حلف الأقليات"، سبيلاً لمواجهة "الثنائي"، وإخراج الشيعة من دوامة الاعتداءات؟ وهم الأدرى بأن إيران الشاه، التي كانت راعية لحلف الأقليات، انتهت، كما تبدلت الزعامات المسيحية وأولوياتها عما كان الأمر في الخمسينيات!

 

فجوة في ملاقاة الطموحات

ما يُقال في المجالس الشيعية، يجب أن يُقال في العلن. ثمة مبدئيون في معارضة "الثنائي"، بلا شك.. وطامحون للتغيير، من دون أدنى تشكيك.. لكن الخطاب البارز، لا يلاقي طموحات الشيعة ونخبهم الثقافية والمالية والإجتماعية. يمعن خطاب المعارضين في تحميل الشيعة مسؤولية واقعهم، ويعدهم بالمزيد من القتل والمتاهة، وكأنهم المسؤولون عن إنتاج واقع الاعتداءات الإسرائيلية اليومية، والمشاريع الأممية، وتمسّك "حزب الله" بسلاحه كبديل من إمكانات الدولة.

 

عند كل مناسبة وحدث، ينكأ الجِراح ناشطون كان يفترض أن يجدهم أهالي الجنوب في مقدمة السائرين الى القرى الحدودية بعد وقف إطلاق النار، أو أن يجدوهم في المحافل الدولية ناطقين باسمهم. 

 

قد تصح مقولة: "حزب الله محظوظ بخصومه". أما الانتخابات، في حال إجرائها، فلها حسابات مختلفة، ليس أقلها الإحباط من خطابَي الحزب ومعارضيه على حد سواء، مما سينعكس، على الأقل، تراجعاً في نسبة الاقتراع.. وللحديث بعد الانتخابات، تتمة.

 

جاري التحميل...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث