عُثِرَ على جثمان الصحافي علاء محمد مقتولاً بطلق ناري في الرأس داخل منزله، في قرية نيني بريف القرداحة في محافظة اللاذقية، في جريمة جديدة تأتي في مرحلة انتقالية تعيشها سوريا بعد سقوط نظام الأسد، وتفتح باباً إضافياً على سؤال الجهة المستفيدة من تصفية شخصيات مدنية، كانت جزءاً من البنية القديمة ثم حاولت التموضع داخل المشهد الجديد.
وعرف الصحافي علاء محمد في السنوات الاخيرة بوصفه عضواً في لجنة السلم الأهلي في اللاذقية المرتبطة بفادي صقر، وبوصفه وجهاً من وجوه الإعلام المحلي في الساحل السوري، وعمل في تغطيات رياضية واجتماعية، ثم اقترب اكثر من الملفات السياسية بعد التحول في السلطة، وظهر مؤيداً للحكومة الجديدة مع احتفاظه بهامش نقد لأدائها الأمني والسياسي.
فلتان أمني
وقبل ساعات من مقتله، ظهر علاء في بث مباشر تحدث فيه عن الفلتان الأمني في درعا ودير الزور ودمشق، وطرح أسئلة حول عجز الحكومة عن ضبط السلاح وتوحيد القوى المسلحة ضمن إطار جيش وطني، ووجّه نقداً صريحاً لشبكات وصفها بأنها تعمل لأجندات خاصة أو خارجية، ما عزز لدى متابعين فرضية استهدافه في سياق صراع نفوذ داخل بيئة كانت موالية للنظام السابق، وتحاول اليوم إعادة توزيع القوة على هامش السلطة الجديدة، مع بقاء هذه الفرضية في إطار التحليل من دون سند قضائي معلن.
جريمة في الجنوب
وفي الجنوب السوري، قتل الرئيس السابق للاتحاد الرياضي في درعا، جهاد جاد الله المصري، برصاص مسلحين مجهولين في بلدة عتمان في ريف درعا، بعد تعرضه لإطلاق نار من دراجة نارية حسب ما أفادت به منصات محلية.
وعرف المصري كوجه رياضي رسمي عمل لسنوات ضمن الاتحاد الرياضي في مدينة درعا في عهد الأسد، مع علاقات وثيقة بضباط وفاعلين في المنظومة الأمنية السابقة، قبل ان ينتقل في السنوات الأخيرة إلى اعمال تجارية محلية، ما يضع اغتياله في خانة استهداف شخصية مدنية ارتبطت بالمؤسسة الرياضية الرسمية ثم بقيت في محافظتها بعد التغيير السياسي.
حلقة من سلسلة
ولا تقتصر حوادث القتل التي تحدث في أماكن متفرقة من سوريا، على اسمَي علاء محمد وجهاد المصري، إذ وثقت منظمات مهنية وحقوقية مقتل مصورين بعد سقوط النظام، من بينهم المصور الصحافي ابراهيم عجاج العامل في وكالة الانباء الرسمية (سانا)، الذي اختطفه مسلحان مجهولان من منزله في حي الأربعين في حماة في كانون الثاني/يناير 2025 قبل العثور على جثمانه مصاباً بعدة طلقات نارية على اطراف المدينة، في منطقة تخضع لسيطرة السلطات الانتقالية، مع حديث مقربين عن تلقيه تهديدات سابقة من دون أن تنتهي القضية إلى نتائج قضائية شفافة.
وفي السياق نفسه، قتل المصور في شبكة السويداء 24 ساري مجيد الشوفي، خلال توثيقه اشتباكات مسلحة في قرية تعارة بريف السويداء في تموز/يوليو 2025، بعد أن فقد الاتصال به خلال تغطية الهجمات قبل أن يعلن عن مقتله لاحقاً، وأدانت "اليونسكو" الحادثة ودعت إلى تحقيق معمق، فيما أشارت تقارير إعلامية إلى أن الرصاص الذي أصابه جاء في سياق فوضى السلاح وتعدد الجهات المسلحة في المحافظة، بعيداً عن أي حماية حقيقية لسلامة الصحافيين الميدانيين.
وتشير الشبكة السورية لحقوق الإنسان في تقاريرها الشهرية إلى مقتل عشرات المدنيين في سوريا الجديدة في عمليات تصنف خارج نطاق القانون، جزء منهم يسقط على يد جهات لم يتمكن التوثيق من تحديد هويتها، مع نسب لافتة من الضحايا في مناطق تخضع لسيطرة الحكومة الانتقالية.
كما تحدث المركز السوري للعدالة والمساءلة عن رصد نمط من عمليات قتل انتقامية، استهدفت منتسبين سابقين لمؤسسات النظام بين كانون الاول/ديسمبر 2024 وايار/مايو 2025، مستندة إلى تحليل منظّم لحالات موثقة في الإعلام المحلي وتقارير حقوقية، وتربط بين غياب مسار قضائي واضح لمحاسبة المسؤولين عن جرائم الحقبة السابقة، وبين لجوء بعض الضحايا او مجتمعاتهم إلى الثأر الفردي، في الوقت الذي وثقت فيه "هيومن رايتس ووتش" ومنظمات سورية حالات قتل وخطف طالت مدنيين على أساس الهوية في الساحل ومناطق أخرى بعد سقوط النظام، ما يضاعف من هشاشة السلم الأهلي الذي يفترض أن تحميه العدالة الانتقالية لا أن تتحول إلى ذريعة لتعليقها.
وحاولت السلطات رسمياً الرد على هذا الفراغ من خلال إعلان تشكيل "الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية" و"الهيئة الوطنية للمفقودين" في أيار/مايو 2025، مع وعود بالتحقيق في الجرائم المرتكبة خلال حكم عائلة الأسد وجبر ضرر الضحايا ومساءلة المتورطين، غير أن استمرار موجة القتل الفردي الغامض يطرح سؤالاً جدياً حول قدرة هذه الأطر الجديدة على استعادة احتكار الدولة للعقاب وإنقاذ ملف العدالة من الانزلاق إلى منطق الرصاص المجهول.




