مدونة السلوك الإعلامي السورية: نقاش الهواجس والحاجات الملحّة

مصطفى الدباسالأربعاء 2026/02/18
Image-1771422696
حجم الخط
مشاركة عبر

أطلقت وزارة الإعلام في منتصف شهر شباط الجاري، مدونة السلوك المهني والأخلاقي لقطاع الإعلام في سوريا، خلال حفلة رسمية بدمشق حضرها مسؤولون ومديرو مؤسسات إعلامية، وقدمت الوثيقة بوصفها ثمرة عمل تشاركي شارك فيه أكثر من ألف صحافي وإعلامي، وبداية لمسار سنوي يعاد فيه النقاش حول أخلاقيات المهنة وحدودها في مرحلة انتقال سياسي تقول الحكومة إنها تريد فيها إعلاماً حراً ومسؤولاً في الوقت نفسه.

 

وتظهر المدونة في الخطاب الرسمي كاستجابة لحاجة مهنية قبل أن تكون قراراً تنظيمياً، إذ تربط الوزارة إطلاقها بتصاعد الفوضى الرقمية خلال السنوات الماضية وانتشار خطاب الكراهية والمعلومات المضللة، وتآكل ثقة الجمهور في وسائل الإعلام، وتقدَّم الوثيقة كإطار أخلاقي مشترك يضبط أداء غرف الأخبار والصحافيين وصنّاع المحتوى والمؤثرين، ويوحد الحد الأدنى من المعايير في ساحة إعلامية خرجت من قبضة النظام السابق لكنها لم تستقر بعد على قواعد واضحة.

 

مساحة الالتزامات المهنية

وتبدأ المدونة بحزمة تعريفات واسعة تحاول الإمساك بمشهد إعلامي متداخل، وتضع تعريفاً واضحاً للصحافي والإعلامي وصانع المحتوى والمؤثر والناشط الإعلامي والمواطن الصحافي، وتضعهم ضمن حقل واحد من الالتزامات المهنية، كما تربط المدونة نفسها بالإعلان الدستوري للمرحلة الانتقالية وبالإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية مؤكدةً أن حرية التعبير حق أصيل تحكمه قيود محددة بالدستور والمعاهدات.

 

حماية السلم الأهلي

وتضع المدونة ثقلها الأكبر على محور حماية السلم الأهلي وخطاب الكراهية، إذ تلزم المؤسسات والعاملين فيها بالامتناع عن التحريض على العنف والتمييز القومي أو الديني أو المناطقي أو الجندري واحترام كرامة النساء والفئات الأكثر هشاشة ووضع سياسات تحريرية مكتوبة لمراجعة المحتوى، وآليات داخلية لتلقي الشكاوى من الجمهور والعاملين، والتعامل مع المحتوى الذي يعد مسيئاً أو محرضاً أو منتهكاً للكرامة الانسانية مع الحديث عن إمكان إنشاء لجان شكاوى وتوثيق ونشر تقارير دورية عن طريقة معالجة هذه الانتهاكات.

 

وتبدو المدونة في مستوى النص محاولة لتكييف أدبيات وأخلاقيات الصحافة المعروفة في المؤسسات الدولية مع السياق السوري، عبر نص موسع يركز على ما يجب تجنبه من تحريض وكراهية، أكثر مما يركز على ما يجب توفيره من ضمانات للصحافي والمؤسسة والجمهور، كما توسع نطاقها ليشمل المؤثرين وصنّاع المحتوى، في اعتراف واضح بأن التأثير في الرأي العام لم يعد حكراً على الإعلام التقليدي.

 

التزام ذاتي.. وليست نصاً تنظيمياً

بحسب وزارة الإعلام، تحرص الحكومة على تقديم المدونة بوصفها التزاماً ذاتياً، لا نصاً تنظيمياً يفرض من أعلى. وشرح مدير الشؤون الصحافية في وزراة الإعلام، عمر حاج أحمد، أن مدونات السلوك في الأصل هي التزام ذاتي، وقال أن المؤسسات التي تمتلك مدونات خاصة بها تستطيع اعتمادها ما دامت متوافقة بالكامل مع مدونة الوزارة، مع التأكيد بأن وثيقة الوزارة ستكون المرجع الاسترشادي عند النزاعات، وأن لجنة التراخيص ستنظر في مدى تطابق المدونات الخاصة مع المعايير الأخلاقية والمهنية المعتمدة.

 

وذهب رئيس لجنة الإشراف على صياغة المدونة، علي عيد، في الاتجاه نفسه، حين أكد أن الوزارة لم تكتب النص، وأن دورها اقتصر على الدعم اللوجستي وتنظيم اللقاءات، مقدماً الوثيقة كخطوة لحماية الحرية لا لتقييدها، عبر نقل جزء من ضبط الأداء الإعلامي من الحقول القانونية العقابية إلى ميدان الالتزام الأخلاقي، مع الإشارة إلى نية تشكيل لجنة شكاوى وتقييم يمكن أن تكون مستقلة أو ذات طابع تشاركي بحيث لا تصبح الوزارة وحدها صاحبة الكلمة في تفسير النص وتطبيقه.

 

حقوق الصحافيين وواجباتهم

ويأخذ منتقدون على المدونة، أنها على مستوى الحقوق اليومية، حضرت عبارات من نوع "حق الجمهور في المعلومة" و"حماية المصادر" و"سلامة الصحافيين"، في خطوط عامة فحسب، من دون التزامات تنفيذية واضحة تقع على عاتق الدولة وأصحاب المؤسسات، بينما جاءت بنود واجبات الصحافيين في ما يتعلق بخطاب الكراهية والتحريض والتشهير أكثر تفصيلاً وتشديداً، الأمر الذي خلق اختلالاً بين منظومة واجبات معرّفة، ومنظومة حقوق يكتفي النص بتسجيلها من دون أدوات واضحة لحمايتها.

 

وبهذا المعنى تبدو مدونة السلوك الإعلامي 2026 في صورة وثيقة تحتاجها مهنة خرجت من فوضى الثورة والحرب والاستقطاب الحاد، وتريد أن تعيد بناء ثقة الجمهور وفق قواعد أخلاقية واضحة، وفي المقابل، هناك آلية مرتبطة بلجان تراخيص وتقييم وشكاوى ما زالت ملامح استقلاليتها غامضة.

 

وقد تكون أهمية هذه المدونة أنها فتحت النقاش، وأجبرت الأطراف المختلفة على أن تقول بوضوح ما تريده من الإعلام في سوريا ما بعد النظام السابق، لكنها لن تحسم وحدها مستقبل حرية الصحافة، لأن السؤال الحقيقي يتجاوز النص إلى بنية السلطة التي تكتب القواعد وتفسرها وتطبقها، وإلى قدرة الصحافيين على تحويل هذه الوثيقة من نص تصدره وزارة الإعلام إلى ميثاق شرف يملكه الجسم المهني ويعيد صياغته ويسبق به السلطة، لا العكس.

 

 

جاري التحميل...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث