في قاعة مكتبة مجلس النواب، اجتمع الطرفان: نواب اللجنة المصغرة المنبثقة عن لجنتي الإدارة والعدل والإعلام، ونواب آخرون، في مواجهة الصحافيين والمؤسسات المدنية. عشرات النقاط العالقة في مشروع القانون المتجه الى الهيئة العامة للبرلمان، استفسر عنها الصحافيون، وهم المعنيون أولاً وأخيراً بقانون يمس جوهر مهنتهم، بل وسلامتهم.
كانت تلك المواجهة الأولى بين المشرعين والصحافيين، بعد تنقله من لجنة الى أخرى على مدى ستة عشر عامًا. أعيد فتح النقاش حول قانون الإعلام في العلن وبشكل جدي، وذلك بمبادرة من اتحاد الصحافيين والصحافيات في لبنان. استهدفت طاولة نقاش، بناء معنى تشاركي حول القانون وتوضيح ما ينص عليه، وخصوصاً حماية الحريات.
المحاكم المدنية الوجهة الأولى
لم تلق المادة التي تنص على إلغاء المواد الجرمية المتعلقة بحرية التعبير، أي اعتراض. في هذه الحالة، بدا النواب متوافقين على أن تصبح المحاكم المدنية الموزعة على المناطق اللبنانية هي المنوطة في النظر في قضايا الإعلام وحرية التعبير، وبهذا التفويض الحصري يغيب المسوغ القانوني للتوقيف الاحتياطي للصحافيين. وعلى هذا الصعيد، يقول رئيس اللجنة الفرعية المنبثقة عن لجنة الإدارة والعدل، النائب جورج عقيص: "لم نضع القضاء الإعلامي في الفوضى، لكننا أرفقنا الجرم المدني بعطل وضرر ينبع عنه تعويض، وأوكلنا مهمة التقاضي للمؤسسات المدنية بهدف تسريع البت في القضايا وكسب المهل".
يحاول القانون أن ينطلق من حرية الرأي والتعبير، بالنسبة للمواطن والصحافي على حد سواء، إذ إن الاثنين يخضعان للمحاكم المدنية، بغض النظر عن الصفة التي يحملانها، وهذا ما أثار استياء لدى النواب.
المادة 106.. فخ في القانون
طغت على مداخلات النواب الذين عملوا على القانون خلال أكثر من تسع عشرة جلسة، لا سيما بلال عبدالله، غسان مخيبر، وجورج عقيص، رؤية واضحة تهدف إلى جعل المحاكم المدنية المرجعية الأساسية في قضايا التعبير والإعلام. إلا أنّ المادة 106 التي أُبقيَ عليها في القانون من قبل اللجنة العامة، جاءت لتقوّض هذه الجهود، إذ أعادت منح الاختصاص للقضاء الجزائي في القضايا التي يثبت طابعها التشهيري. ومع بقاء هذه المادة في النص الحالي، يصبح القانون فاقدًا لجوهره، في ظل توسيع صلاحيات القضاء الجزائي، وما قد يرافق ذلك من إمكانية استغلال هذه المادة لتعقيد الدعاوى وفرض عقوبات أشد على الصحافيين.
القدح والذم: ألغاهما قانون الإعلام واحتفظ بهما قانون العقوبات!
ألغيت المواد المتعلقة بتجريم القدح والذم في القانون الحالي، لكنها ما زالت حاضرة بشكل صريح في قانون العقوبات، (385 وصولًا الى 389)، وأبرزها المادة 388 التي تأتي على ذكر الصحافة، إذ تنص المادة على تشديد العقوبة إذا وقع الذم أو القدح عبر وسائل النشر. وهذا ما يطرح تساؤلات حول تعارض وتكامل القانون السابق مع القانون الحالي. في هذه الحالة، وعلى الرغم من إلغاء مواد القدح والذم في قانون الإعلام، يبقى رديفها قابلًا للتطبيق في قانون العقوبات، وخصوصًا مع نص المادة 106 التي أجازت المحاكمات الجزائية من دون تعارض جوهري مع قانون العقوبات. لذلك، ما زالت الجهود مطلوبة في العمل على إلغاء هذه المواد في القانون العام أو ٳلغاء النصوص الجزائية التي تجرّم حرية التعبير ليصبح القانون الحالي هو المرجع الأوّل، لا الاستثناء.
حق الشعب في الوصول للمعلومات
ينصّ القانون على حق الصحافيين في الوصول الى المعلومات، لكن الصحافيين يعتبرون أن من حقهم وحق المواطنين بالتساوي الحصول على المعلومات أيضًا، وذلك من خلال عرض محاضر مجلس النواب، ومجلس الوزراء، ما عدا تلك التي تخص الأمن القومي والشؤون العسكرية. وتبقى هذه النقطة الأخيرة محط نضال مستمر، ٳذ نالت شبه رضا النواب الحاضرين، على اعتبار أن البرلمان الذي ينشر محاضر جلساته، يؤسس لذاكرة التشريع، ويحدّ من تشويه الحقائق والشائعات التي عادةً ما تكون التحليلات حول ماذا حصل في الغرف المغلقة أساسًا في انتشارها.
الهيئة الوطنية للٳعلام
وعلى الرغم من مطالبة النقابات بأن تكون لها حصة في هذه الهيئة، ٳلا أنّ اللجنة ارتأت بأن تكون هذه الهيئة عبارة عن مجلس حكماء يتمثل في عشرة أشخاص متخصصين من مختلف القطاعات: سبعة يتم ٳختيارههم من قبل الهيئات الناخبة، وثلاثة تعيّنهم الدولة، على أساس أنّ "عضوية النقابات تشكل تضاربًا للمصالح، حيث لا يمكن تنظيم العمل الإعلامي من قبل العاملين في الٳعلام أنفسهم"، حسبما يقول النائب بلال العبدالله.
ويأمل الصحافيون في ألا تكون تجربة هذه الهيئة، مستنسخة عن هيئات سابقة لم تتوافر لها آليات العمل والموارد، وأن تلتزم بمبدأ الاستقلالية.
كسر احتكار الوسيط الإعلاني
احتدم النقاش في الجلسة حول المادة التي تمنع المؤسسة الإعلامية من العمل مع وسيط إعلاني واحد، أو أن يفرض وسيط ٳعلاني نفسه على المؤسسة الإعلامية كراعٍ وحيد لها. ولاقت هذه المادة اعتراضًا واضحًا من قبل النائب وضاح الصادق الذي اعتبر أنّه لا يحق للقانون أن يُملي على المؤسسات الإعلامية كيفية العمل، خصوصًا أن المعلن هو من يدير العجلة الاقتصادية في المؤسسة، "فمن حق المؤسسة أن تعمل مع من تشاء وكيفما أرادت".
أمّا من الناحية القانونية، فيشرح المحامي فاروق المغربي لـ"المدن"، أنّ أهمية هذه المادة تكمن في منح المؤسسة الإعلامية حرية أكبر من خلال تعدد مصادر التمويل، وعدم احتكار الوسيط الإعلاني قوته في تحديد السياسية التحريريّة الخاصة بالمؤسسة، وضمان الشفافية.
المؤسسات الإعلامية تجهض القانون؟
أصبح القانون في مراحله الأخيرة، اذ أحيل الى الهيئة العامة التي بدورها سيكون لها الدور الأبرز في عرض هذا القانون على جدول أعمال مجلس النواب. وعلى الرغم من ثغرات تشوب هذا القانون، الا أنّ النسخة الحالية، تعد أفضل ما أُنتج منذ سنوات، بالمقارنة مع نسخات سابقة.
فوطنٌ تملك فيه الأحزاب والعائلات السياسية الحصة الأكبر من وسائل الإعلام، يغدو كشف مصادر التمويل، وهي أحد ركائز هذا القانون، أمرًا ضروريًا لحماية المواطن من التضليل الإعلامي، ومعرفة كيف يتم التأثير في السردية الإعلامية. فما نحتاج اليه، بحسب النائبة حليمة قعقور، هو إعلام حر، ومستقل ومتعدد، ومن هذه الحاجات انبثق القانون. لكن السؤال الأبرز يبقى حول مدى التزام المؤسسات الإعلامية بمواد هذا القانون... والتي ربما تكون هي أبرز العاملين على ٳجهاضه؟




