هل تغيّر الحب مثل طعم الشوكولا؟

نسرين النقوزيالجمعة 2026/02/13
Image-1770994895
"سلام. حب. شوكولا" للأميركية ماري بات هوران كوردر
حجم الخط
مشاركة عبر

في 14 شباط، تقدم اليابانيات الشوكولا للرجال. ليس للرجال الذين يحببنَهم فحسب، بل أحيانًا لزملاء العمل، للأصدقاء، أو لشخص يشغل حيّزًا يوميًا في حيواتهن. هناك تمييز معروف بين أنواع الشوكولا: هونمي تشوكو (honmei choko) للشخص الذي يحمل مكانة عاطفية خاصة، وغيري تشوكو (giri choko) للمجاملة الاجتماعية، وتيزوکوري تشوكو (tezukuri choko) التي تُحضَّر يدويًا وتحمل معنى شخصيًا. الفعل نفسه يُفهم كمبادرة هادئة لتنظيم العلاقات ووضعها في سياق من التقدير. بعد شهر، في "اليوم الأبيض"، يأتي دور الرجال للردّ بهدايا مماثلة، في دورة متبادلة من الاعتراف والعناية.

 

هذه العادة تشهد اليوم تحوّلات واضحة بفعل تغيّر أنماط العمل وارتفاع أسعار الكاكاو عالميًا. تراجعت ظاهرة "غيري تشوكو" مع انتشار العمل من بُعد وتبدّل القيم المهنية، ولم تعد الشوكولا تُقدَّم بكثافة للزملاء كما في العقود الماضية. في المقابل، ظهرت أشكال جديدة مثل جيبن تشوكو (jibun choko)، أي الشوكولا التي يشتريها الشخص لنفسه كمكافأة ذاتية، وأوشي تشوكو (oshi choko) المرتبطة بالشغف بشخصية عامة أو علامة مفضّلة. بيانات "تيكوكو داتابانك" تظهر أن متوسط سعر قطعة الشوكولا بلغ نحو 418 ينّاً بعدما كان 356 ينّاً قبل ثلاث سنوات، نتيجة ارتفاع أسعار الكاكاو عالميًا. ورغم الغلاء، ما زال الإنفاق قائمًا، لكنه أصبح أكثر انتقائية، وأكثر توجّهًا نحو الذات أو الدوائر القريبة.

Image-1770995331
الشوكولا تملأ المتاجر...واليابانيات يشترين (غيتي)

وسط هذه التحوّلات، يبقى عيد العشاق مناسبة هادئة لإعادة التفكير في العلاقات. لحظة صغيرة قد تدفعنا إلى الانتباه لمن يشغلون مساحة حقيقية في حياتنا، وللأشخاص الذين يستحقون أن نقول لهم، بشكل مباشر أو رمزي، إنهم مهمّون. الهدية هنا تتحوّل إلى فعل اعتراف، إلى إشارة تقول إن العلاقة ما زالت حاضرة وقابلة للعناية. أحيانًا تكفي علبة شوكولا، أو رسالة قصيرة، كي تذكّرنا بأن الحب يحتاج إلى لحظات معلنة كي يستمر.

 

أشكال الحب لا تُقاس دائمًا بالكلمات الكبيرة. حتى حين يكبر الأبناء وتصبح لهم بيوت وحيوات مستقلة، تظلّ الأم تطرح السؤال نفسه: "أكلت؟". الجواب يهدّئها كأنها حصلت على إشارة مطَمئنة بأن كل شيء مستقر. الطعام يتحوّل إلى لغة مختصرة للعناية، وإلى طريقة ملموسة للاطمئنان على من نحب. هذا المنطق يمتدّ إلى علاقات أخرى بين الكبار، حيث تظهر العناية أحيانًا عبر أفعال بسيطة قابلة للملاحظة: طبخة مشتركة، قهوة، أو دعوة إلى مائدة. الحب يجد طريقه في أفعال يومية صغيرة تمنح شعورًا بالاستقرار أكثر من أي إعلان كبير.

 

في السنوات الأخيرة، انتشرت أيضًا لغة جديدة حول الحب والعلاقات، تركّز على فكرة "حبّ الذات". تحوّلت هذه الفكرة إلى ثقافة يومية تُشجّع الأفراد على مكافأة أنفسهم، على شراء ما يبهجهم، وعلى حماية وقتهم ومساحتهم الخاصة. شراء "جيبن تشوكو" في اليابان يعكس هذا التحوّل: العلبة التي كانت تُهدى للآخرين أصبحت تُقدَّم أحيانًا للنفس، كإقرار بأن الرعاية تبدأ من الداخل. هذه النزعة لا تعني تراجع الرغبة في العطاء، لكنها تعكس بحثًا عن توازن بين ما نقدّمه للآخرين وما نحتفظ به لأنفسنا.

 

وأنا أحمل علبة الشوكولا، تذكّرت جملة نسمعها كثيرًا عن الحلوى التي تُباع هذه الأيام: "ما عاد في طعم متل أيام زمان". الناس تتجادل حول نوعية الكاكاو، وما إذا كانت الشوكولا اليوم أخفّ أو أسرع ذوبانًا، أو أقلّ كثافة في مذاقها. قد يكون الأمر حنينًا أكثر منه حكمًا دقيقًا، لكنه يترك شعورًا بأن شيئًا ما تغيّر في التجربة نفسها. ربما لهذا السبب تحديدًا يصبح عيد الحب فرصة لطرح أسئلة هادئة على أنفسنا. ليس عن شكل الهدية، ولا عن ثمنها، بل عن طعم العلاقات نفسها. هل تغيّر فعل العطاء؟ هل صرنا نبحث عن لذّة سريعة تشبه الشوكولا الخفيفة التي تذوب بسرعة؟ أم أننا ما زلنا نعرف كيف نصنع شيئًا يبقى أثره طويلًا؟ السؤال لا يحتاج إجابة نهائية، يكفي أن ننتبه إليه ونحن نختار مَن نعطي، ولماذا...

 

جاري التحميل...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث