بينما تترقب المنطقة مصير المفاوضات الأميركية-الإيرانية، وسط مخاوف من فشلها واندلاع حرب إقليمية أو تصعيد عسكري ما، تخرج إلى العلن، أدوات حرب موازية لطالما كانت خفية بين إسرائيل وإيران، أي الأدوات الاستخباراتية والأمنية، بما فيها محاولات استمالة وتجنيد متبادل لإسرائيليين وإيرانيين عبر منصات التواصل الاجتماعي.
ورغم أن هذا الشكل من الحرب، يدور في الظل وبشكل صامت منذ سنوات، إلا أن مؤشراتها باتت أكثر وضوحاً في الأشهر الأخيرة، وتحديداً منذ يونيو/حزيران 2025، إذ شرعت جهات أمنية إسرائيلية فور انتهاء حرب الـ12 يوماً، إلى توجيه تعليمات للمواطنين الإيرانيين، تحت عنوان "التعاون الإنساني"، موجهةً لهم نصائح لتحميل تطبيق "في بي إن- VPN"، وذلك للالتفاف على حظر السلطات الإيرانية، وبالتالي تمكينهم من التعاطي مع مواقع وتطبيقات أمنية إسرائيلية، صًممت خصيصاً للتواصل مع الإيرانيين مباشرةً، وفق قولها.
وفيما ظهر استشعار لهذا الخطر المتصاعد لدرجة أنه بات علنياً من قبل الأمن الإسرائيلي، سارع أكثر من مسؤول إيراني عقب تلك الحرب، إلى تنبيه الإيرانيين من مغبة الانجرار لمحاولات إسرائيل لضرب الأمة الإيرانية، وتفتيتها، وإثارة الفتنة في صفوفها. في المقابل، صدرت تحذيرات أمنية إسرائيلية مؤخراً من تصاعد المحاولات الإيرانية لتجنيد إسرائيليين لجمع معلومات مهمة عن أهداف حساسة في العمق الإسرائيلي، لدرجة توجه ضباط من جهاز "الشاباك" إلى رؤساء بلديات، للمشاركة في عملية "توعية" إسرائيلية من مغبة تجييرهم من جهات إيرانية للقيام بمهام تجسسية لصالح طهران.
تجنيد رسمي
وكان أحدث فصول هذه الحرب الخفية، توجيه الجيش الإسرائيلي عبر متحدثه بالفارسية، رسالة وصفتها وسائل إعلام عبرية بـ"الاستثنائية وغير الاعتيادية"، موجَّهة للمواطنين الإيرانيين، تدعو الراغبين منهم بـ"التعاون" أو "التواصل" مع حسابات إسرائيلية رسمية، بما فيها الأمنية، إلى التوجه حصراً من خلال الحسابات الرسمية التابعة للجيش الإسرائيلي في المنصات الرقمية. واعتبرت هيئة البث العبرية أن هذه الرسالة غير تقليدية من حيث توجهها المباشر إلى "جمهور مدني داخل دولة معادية".
وبتحليل نص الرسالة الإسرائيلية، فإنها أكدت أن "أي تواصل يجب أن يتم فقط عبر القنوات الموثقة"، من دون أن يوضح بيان الجيش الإسرائيلي المقصود من رسالته ولا طبيعة التعاون الذي تبحث عنه تل أبيب، باستثناء تشديده على "حصر الاتصال" في الأطر الإسرائيلية المعتمدة.
ثلاثة دوافع للرسالة الإسرائيلية؟
وبتفكيك النص الذي أصدره جيش الاحتلال عبر صفحة متحدثه بالفارسية في "إكس"، فيبدو أنه تحذير من محاولات انتحال صفة أو قنوات غير رسمية. وبربط صيغة الرسالة الإسرائيلية بتقارير عبرية في الآونة الأخيرة، يُمكن فهم سياق الرسالة غير الاعتيادية لجيش الاحتلال من خلال ثلاثة دوافع رئيسية في هذا التوقيت. الأول، تحذير موجه لإيرانيين متورطين في التعامل مع إسرائيل أو راغبين في ذلك، من الوقوع في فخ منصات تنشئها المخابرات الإيرانية، تحاكي صفحات إسرائيلية رسمية، وذلك في ظل توافر معطيات اسرائيلية عن محاولات الأمن الإيراني كشف شبكات العملاء والتجسس لصالح إسرائيل، أي إنشاء صفحات "مصيدة" بحيث تظهر وكأنها صفحات للجيش ولمؤسسات أمنية إسرائيلية، وهو أمر ألمحت إليه مواقع عبرية في أكثر من مناسبة.
أما الدافع الثاني، فهو محاولة الجيش الاسرائيلي استمالة وتجنيد مزيد من العملاء الإيرانيين، في مسعى لتحديث بنك أهدافها، ضمن استعداداتها لأكثر من سيناريو في حال وقعت مواجهة مع إيران إذا فشلت المفاوضات بين واشنطن وطهران. في حين يكمن الدافع الثالث، في ارتباط الرسائل الموجهة علناً للإيرانيين باللغة الفارسية، وفي هذا التوقيت الحساس تحديداً، بحرب نفسية، وكأن إسرائيل تريد أن تقول للنظام الإيراني، إنها تسخّر كل الإمكانات الاستخباراتية والرقمية لتكثيف اختراق الجمهورية الإسلامية.
وبتقريب المجهر من صفحة المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي في "إكس"، فهو يُدعى كمال بنحاسي، ويحظى بنحو 125 ألف متابع، وكان قد برز دوره خلال الحرب الإسرائيلية-الإيرانية في يونيو/حزيران الماضي، إذ دأب على توجيه رسائل مباشرة إلى "الشباب الإيرانيين" وسط الحرب، عبر مقاطع فيديو في "تيك توك" ومنصات أخرى. واللافت أن بنحاسي لا ينشر فقط المضامين المتعلقة بإيران، بل أيضاً ما يتعلق بالاستهدافات والاغتيالات الإسرائيلية في لبنان.
رسالة تهديد إيرانية...بالعبرية
والحال أن مخاطبة منصات إسرائيلية رسمية للإيرانيين، وضعتها وسائل إعلام عبرية في سياق ظاهرة تعكس تحوّلاً في أدوات الحرب، حيث باتت معركة الوعي والمحتوى الإعلامي تحظى بأهمية استراتيجية توازي العمل العسكري، لدرجة أن تلفزيون "آي 24" العبري اعتبر أن فيديوهات "تيك توك" تكون أحياناً أكثر تأثيراً من "قنبلة".
ولأن الرسالة بالرسالة، بثّت قناة تلفزيونية حكومية إيرانية، الخميس، لائحة اغتيالات، تضم سبعة مسؤولين إسرائيليين، وعلى رأسهم رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو وشخصيات أمنية وعسكرية، في ما ظهر كتهديد صريح بتصفيتهم. وخلال البث، أطلق المذيع الإيراني تهديداً باللغة العبرية: "نحن سنحدد وقت موتكم، انتظروا أبابيل".




