أول مطعم "كوشر" في دمشق

المدن - ميدياالخميس 2026/02/12
Image-1770889506
مطعم كوشر في دمشق (نيويورك تايمز)
حجم الخط
مشاركة عبر

بات عدد اليهود الذين يزورون سوريا، يتزايد بعد سقوط نظام بشار الأسد أواخر العام 2024، وليس غريباً بالتالي أن يظهر أول مطعم يقدم طعام "الكوشر" في العاصمة دمشق، في مشهد لم يكن يمكن تخيله قبل سنوات بسبب الحرب والقطيعة ومعاداة اليهود والسامية في عهد النظام السابق. علماً أن "الكوشر" يراعي معايير الأكل لدى المتدينين اليهود، على طريقة دمغ الأطعمة بشارة "حلال" للمسلمين.

 

وفي مطبخ فندق "رويال سميراميس" وسط دمشق، وقف طاه عند منضدة مخصصة يشكل غموس الفلفل الأحمر المشوي على هيئة كرات أنيقة، بينما وضع الحمص بملعقة على شكل دوامات. كان العشاء سوريا تقليدياً، لكن وفق قواعد الكوشر، حسبما نقلت صحيفة "نيويورك تايمز".

 

وفي مكان قريب، كانت الأطباق وأواني التقديم مكدسة خلف طبقات من غلاف بلاستيكي، وإلى جانبها لافتتان بالإنجليزية كتب عليهما: "للطعام الكوشر فقط. ممنوع اللمس". وقال الطاهي عبد الرحمن قهوهجي، الذي يعمل في الفندق: "من الجميل رؤية أفكار وثقافات جديدة"، مضيفاً أنه غادر سوريا خلال الحرب الأهلية الطويلة وعمل في مطاعم خارج البلاد. وأضاف: "كنت في لبنان، وكنت في العراق، ورأيت أشياء كثيرة. لكن هذه هي المرة الأولى التي أرى فيها طعام كوشر".

 

وكانت سوريا تضم في السابق جالية يهودية صغيرة نابضة بالحياة، قدر عددها بنحو 30 ألف نسمة، موزعين على ثلاث مدن رئيسية من بينها مدينة دمشق القديمة لكن معظمهم غادر من البلاد تدريجياً، ولم يتبق في دمشق سوى نحو ستة يهود سوريين فقط. ومع توافد اليهود السوريين وغير السوريين إلى سوريا، باتت الحاجة تتزايد لوجود مطعم كوشر، وملحمة كوشر، وكنيس يعمل بشكل سليم كما يسعى بعض اليهود السوريين إلى استعادة منازلهم وممتلكاتهم التي تركوها هم أو عائلاتهم قبل عقود.

 

وقال جوزيف جاجاتي، وهو رجل أعمال يبلغ من العمر 32 عاماً أنه كان في الثانية من عمره فقط عندما غادرت عائلته دمشق إلى نيويورك. وأوضح أنه نشأ في منزل يلتزم بقواعد الكوشر، ما كان يمنع تناول بعض الأطباق السورية التقليدية التي تجمع بين اللحم والزبادي، بسبب تحريم خلط اللحوم والألبان. وأضاف أنه يتذكر ارتياد كنيس دمشقي كانت الخطب تلقى فيه باللغة العبرية.

 

وذكرت الصحيفة أن فكرة إنشاء مطبخ كوشر داخل فندق سميراميس بدأت في أيلول/سبتمبر الماضي، خلال زيارة جماعية نظمتها مؤسسة "الفسيفساء السورية" التي يرأسها جاجاتي، والتي تنظم رحلات لليهود إلى سوريا. وقال جاجاتي إن خططه للمؤسسة تشمل أيضا إنشاء مركز ثقافي في مدينة دمشق القديمة، يركز على الحرف اليدوية التقليدية التي اشتهر بها اليهود السوريون في الماضي.

 

وكان ضمن المجموعة التي زارت سوريا في أيلول/سبتمبر الماضي، الحاخام آشر لوباتين، وهو حاخام أرثوذكسي من ولاية ميشيغان الأمريكية. وقال لوباتين في مقابلة هاتفية بعد زيارته: "تناولنا عشاء رائعاً، لكنني لم أستطع تناول سوى الفاكهة".

 

ودعا مالك الفندق منذر نزهة المجموعة إلى مأدبة عشاء، بحضور مسؤولين حكوميين، ثم سأل لاحقاً عن مدى صعوبة إنشاء مطبخ كوشر وإمكانية تنفيذه داخل الفندق. وعندما عاد جاجاتي إلى سوريا في كانون الأول/ديسمبر الماضي مع مجموعة سياحية أخرى، أحضر معه 23 كيلوغراماً من اللحوم الكوشر من نيويورك. كما اشترى الفندق أسياخا وشوايات جديدة للحوم، إلى جانب أطباق وأدوات مائدة. وذهب جاجاتي إلى المطعم ليشرح للطهاة والموظفين تفاصيل إعداد الطعام الكوشر.

 

وبعد أيام، استضاف المطعم أول عشاء كوشر له بمناسبة عيد الأنوار. وفي الوقت الحالي، وصف الحاخام لوباتين مطبخ سميراميس بأنه "كوشر بشكل غير رسمي"، موضحاً أنه سيحتاج لاحقا إلى تفتيش من قبل حاخام متخصص في شهادات الكوشر. ورأى جاجاتي أن وجود مطاعم كوشر ربما يشجع مزيداً من اليهود السوريين على العودة، مؤقتاً أو بشكل دائم.

 

وتشكل استعادة المنازل والمتاجر والمدارس وغيرها من الممتلكات التي تركتها العائلات اليهودية قبل عقود، تحدياً كبيراً، حيث بيعت بعض هذه الممتلكات أو أجرت، بينما استولى النظام السابق أو مواطنون آخرون على الكثير منها. وبحسب أفراد من الجالية، كانت مدينة دمشق القديمة تضم أكثر من 12 كنيساً، لكن لم يعد أي منها يستخدم بانتظام.

 

وقالت الحكومة السورية أن أي سوري يثبت ملكيته للممتلكات يملك الحق في استعادتها. وفي أوائل كانون الثاني/يناير الماضي، اصطحب جاجاتي مجموعة من أصدقائه لزيارة كنيس الفرانج، وهو أحد دور العبادة المغلقة في الحي اليهودي بمدينة دمشق القديمة. وأوضح أن مفاتيح المعابد كانت خلال حكم الأسد لدى الأجهزة الأمنية، لكنها أصبحت الآن في حوزة لجنة حكومية تابعة لوزارة الخارجية.

 

وخلال زيارة المجموعة، كان مسؤول من وزارة الخارجية في الفناء يشرف على عمال تنظيف وترميم الكنيس، الذي تأسس في القرن الخامس عشر على يد يهود سفارديم هاربين من محاكم التفتيش الإسبانية. غير أن المسؤول أخبر جاجاتي أنه لا يملك تصريحاً بدخول الزوار حتى اكتمال أعمال التنظيف. وعندها قال جاجاتي هو يقف خارج المكان الذي تزوج فيه والداه وأجريت له طقوس الختان: "لسنا ضيوفاً، نحن مالكو هذا الكنيس".

 

وأضاف جاجاتي أن ذلك الموقف ذكره بما كان يواجهه سابقاً عندما كان يضطر إلى التوسل لمسؤولي نظام الأسد، الذين كانوا يستدعونه للاستجواب في كل مرة يزور فيها سوريا لفتح الكنيس له. وتابع عن الحكومة الجديدة: "الآن يفعلون الشيء نفسه"، ثم أشار إلى اليهود السوريين الآخرين قائلاً: "كيف لي أن أتصل بهم الآن وأحثهم على الحضور؟". وبعد ساعات، ظل موضوع الكنيس وتسليم مفاتيحه لأحد أفراد الجالية اليهودية السورية حاضراً بقوة في نقاشات الحاضرين.

 

وفي مطعم "سميراميس"، كان العشاء محدداً وفق العادات السورية عند الساعة 7:30 مساء، لكن الضيوف بدأوا يتوافدون بعد الثامنة بقليل. ودخل جاجاتي قرابة الساعة 8:30، وفي يده مشروب طاقة. وفي المطبخ، كانت الصواني التي تحتوي على البروكلي وشرائح البطاطس وعجين خال من منتجات الألبان مغطاة بالبلاستيك ومكتوب عليها بخط اليد بالعربية: "كوشر خاص".

 

وصرخ مساعد الطاهي مجد مارينا، وهو يشوي خمس شرائح من لحم الضلع على رفوف خاصة ويقلبها مرارا: "أحضروا لي أطباق الكوشر". وفي الوقت نفسه، كان الإقبال يتزايد من زبائن غير ملتزمين بقواعد الكوشر، لكن الطهاة حرصوا على عدم اختلاط الأطباق وملاعق التقديم وحتى القفازات.

 

وفي قاعة الطعام، تنقل النادلون بين الأطباق، مقدمين المحمرة والحمص وورق العنب المحشو وسلطة الباذنجان. وقال جاجاتي: "هذه مجرد بداية"، مشيراً إلى أن طموحه لا يقتصر على العشاء، بل يمتد إلى امتلاك مطعم كوشر كامل في دمشق. وأوضح أنه خلال أول رحلة له إلى سوريا بعد سقوط نظام الأسد، قطع وعداً بمحاولة تنظيم مكان واحد على الأقل لتناول الطعام الكوشر، لتشجيع اليهود السوريين الآخرين على العودة. ومع تقدم العشاء، بدا عليه الرضا لأن رؤيته بدأت تتحقق، وقال: "وعود قطعتها، ووعود أفي بها".

 

جاري التحميل...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث