حين عاد الممثل اللبناني أسعد رشدان من مَهجره في كندا، حمل لواء التغيير، وعبّر عن الحال في لبنان، بغضب. استعدى معظم من كانوا في موقع السلطة، فبات بالنسبة لشركات الإنتاج، شخصية جدلية، تمثل عبئاً عليهم وعلى علاقاتهم الداخلية والخارجية. شارك في عدد قليل من المسلسلات بعد عودته، رغم إمكاناته التمثيلية الكبيرة، ليس لأنه بلا علاقات، بل لأنه غرق في السياسة.
ورشدان، الذي رصدته الكاميرا في أدواره التمثيلية جدياً، غاضباً، حاداً، ويُعرف بصوت مرتفع، قد يكون من الفنانين القلائل في لبنان الذين عبّروا عن موقفهم السياسي بحدّة. قاده غضبه لمهاجمة الطبقة السياسية في تصريحاته، قبل أن يتحول الغضب في اتجاه واحد. ضد فريق "الممانعة"، والذي انتهى به إلى تبرير جرائم إسرائيل، وإلى التباس في إدانة قتل طفل في عمر الثالثة، في بلدة يانوح جنوبي لبنان، الأحد الماضي.
ولم يبدد اعتذار رشدان، سوء فهم الجمهور لسوء تعبيره في موقفه الأول. خانته التعابير حين خلط السياسة بالإنسانية، وهو فنان عاش 15 عاماً في كندا، حيث يُفترض أن يكون تعلم معايير حقوق الإنسان والأطفال، وعزل الموقف السياسي عن الموقف الحقوقي الأوّلي. وبالنسبة إلى ناشطي مواقع التواصل، الذين هاجمهم رشدان في منشورات لاحقة الخميس، لا يُفهم موقفه لجهة التبرير لإسرائيل جرائمها، وهو الذي كان طامحاً إلى مقعد نيابي يفترض أن يمثل مختلف اللبنانيين تحت الندوة البرلمانية، ويلتزم الموقف الرسمي الذي يعتبر إسرائيل عدواً، وذلك بعد خوضه الانتخابات في دائرة جبيل وكسروان العام 2022.
خلال المقابلة - الأزمة، أجاب على سؤال مُحاوره حول موقفه من مقتل طفل في الثالثة من عمره في غارة يانوح: "هناك أيضاً أطفال قُتلوا في إسرائيل"، في إشارة الى هجوم 7 أكتوبر 2023 في غزة. واضاف أن إسرائيل "دولة تعرف كيف تحمي حدودها".
لم يفصل رشدان بين موقفه السياسي من "الممانعة"، وإصرار إسرائيل على قتل الأطفال. حتى في السياسة، اجتزأ وقائع 7 أكتوبر، إذ لم ينظر اليها كنتيجة لمسار من القتل والتهميش والحصار والعزلة.. ولم ينظر إلى ما بعدها، لجهة قتل 70 ألف فلسطيني في غزة وحرمان النازحين من أدنى مقومات الحق الانساني في المأكل والمشرب والغذاء والدواء والمسكن، وتوسع إسرائيل في الضفة الغربية وسوريا وجنوب لبنان. ضحالته السياسية، الناتجة عن موقف مسبق، لم تقده إلى عزل الانتهاكات الإسرائيلية في لبنان، عن مسار المنطقة، وذلك أضعف الإيمان.
والحال أن هذا الغرق في شخصنة الأمور، يعكس مشكلة الفنانين حين يتحولون الى نشطاء سياسيين. عادة ما يبقي الفنان مساحة ألفة بين موقفه الشخصي ومواقف مشاهدين بمختلف انتماءاتهم. يبقى في الجانب الإنساني، ويتجنب الاصطفاف.. ولا تجربة أوضح مما خاضه الفنانون السوريون الذين اختبروا أقسى المواقف، وأعادوا تعويم أنفسهم، باستثناء من خرج بموقف حاد، أو التزم ضفّته من الموقف/الانقسام.
من هنا، يُفهم موضوع استبعاد رشدان من الأعمال التلفزيونية، رغم كفاءته كممثل. هذا النمط من الحديّة، يخلق نفوراً مع شركات الانتاج التي تقدم ما يمكن تسويقه بين فئات الجمهور جميعاً.. أما موقفه الأخير من الطفل علي جابر في يانوح، فقد أبعده من مروحة واسعة من المؤيدين المفترضين، لأن ما قاله ينطوي على سقطة بالمعنى الإنساني البحت، لا يمكن أن ينزلق إليها فنان...أو أي مواطن.




