"الشاباك" يختطف عطوي: جنوب لبنان كمنطقة داخلية إسرائيلية!

أدهم مناصرةالثلاثاء 2026/02/10
Image-1770719131
رئيس "الشاباك" دايفيد زيني متحدثاً مع رئيس أركان الجيش الإسرائيلي إيال زامير (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

يبدو أن الرسائل الأمنية والسياسية التي يحملها كل اعتداء إسرائيلي على لبنان، باتت تتخذ بعداً أشد خطورة يوماً بعد آخر. ويمكن ملاحظة ذلك في عملية الاختطاف الهوليوودية التي نفذتها فرقة الكوماندوز الإسرائيلية "210" وخطفت فيها المسؤول المحلي في "الجماعة الإسلامية" عطوي عطوي في منطقة الهبارية بجنوب لبنان.

 

وروج الإعلام الإسرائيلي لموقعة الاختطاف تارة كـ"مهمة استثنائية" وتارة أخرى كـ"عملية دراماتيكية ليلية"، مروراً بتركيزه على تنفيذها بـ"سلاسة" من دون الإبلاغ عن أي "مقاومة" أو اشتباكات بالمنطقة، إلى جانب الإشارة إلى جهاز الأمن الداخلي الإسرائيلي "الشاباك" كطرف موجه للعملية وكمحقق مع المختطف اللبناني.

 

وإبراز بيان تل أبيب اسم جهاز "الشاباك"، كمحقق مع عطوي، ليس عابراً، لأن هذه الصيغة مشابهة كثيراً للبيانات الرسمية التي تصدرها إسرائيل بعد كل حالة اعتقال لفلسطينيين من الضفة الغربية، وكأنها تريد توجيه رسالة استفزازية ضمنية، مفادها أنها باتت يتعامل مع جنوب لبنان، خصوصاً المناطق الأقرب للحدود، على طريقة الضفة، أي أنها ليست محصنة من الاقتحامات والاعتقالات، وهي رسالة موجهة للكل اللبناني بما فيها الحكومة، خصوصاً أن العملية جاءت بعد زيارة رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام إلى الجنوب.

 

وفيما ينظر إلى "الشاباك" أمنياً، كمتخصص في مجال تتبع التنظيمات الإسلامية السنية مثل "حماس" و"الجماعة الإسلامية"، إلا أن اختصاصاته المناطقية كانت تنحصر دائماً على الداخل الفلسطيني، لا الساحات الخارجية، ما يثير تساؤلات بشأن تغيرات بالمفهوم العسكري والأمني الإسرائيلي للساحات الخارجية، خصوصاً لبنان!

 

وبرزت الرسالة السياسية والأمنية الإسرائيلية بشكل أكثر وضوحاً في مقال لمحلل الشؤون العسكرية لصحيفة "معاريف"، آفي أشكنازي، اعتبر فيه أن عملية الاختطاف أظهرت "هشاشة الوضع الأمني" في المناطق اللبنانية القريبة من الحدود، أي أن إسرائيل وجدت ضالتها في العملية، لإظهارها كدليل على قدرتها على استباحة الأرض اللبنانية أمام قواتها ونيرانها.

 

وقال أشكنازي أن عملية الكوماندوز الإسرائيلي، جرت داخل الأراضي اللبنانية، واستخدم التخطيط الاستخباراتي لتنفيذ الاعتقال، من دون "إعلان تفاصيل عن مقاومة" في موقع العملية نفسها، وكأن عملية الاختطاف جاءت لتختبر مدى سهولة هذه النوعية من المهمات في مناطق لبنانية واقعة ضمن مسافات محددة من الحدود.

 

من جهته، قال المراسل العسكري للتلفزيون العبري الرسمي "مكان" إيال عاليما، في إفادته بالنشرة المسائية، أنه لا يوجد فارق كبير بين أسلوب اعتقال عطوي، وما يفعله الجيش الإسرائيلي في الضفة الغربية، مشيراً إلى اعتقاد إسرائيل أن هذه الأساليب تضمن لها الأمن على امتداد الحدود، من دون الحاجة إلى تفاهمات سياسية مع لبنان.

 

إلى ذلك، سارع وزير الأمن الإسرائيلي يسرائيل كاتس، إلى تهنئة قواته على "نجاح العملية"، وتشديده على نشاطهم "الحازم" في جميع الساحات، واستعدادهم لمواجهة التهديدات القريبة والبعيدة، علماً أن كاتس لم يعلق في السابق على عمليات إسرائيلية أخرى في لبنان، لكن العملية الأخيرة بدت فرصة مثالية كي يروج لفكرة استباحة لبنان "بكل الأساليب والوسائل".

 

والحال أن الجيش الإسرائيلي لم يحاول تبرير عملية الهبارية فقط، بل فتح الباب أمام مزيد من عمليات الاقتحام والاختطاف، عبر تمرير قادة جيشه سردية محددة عبر مراسلين عسكريين، تمحورت حول "استعدادات متواصلة" من قبل قيادة "الجماعة الإسلامية" لـ"هجمات إضافية"، ما شكل مبرراً لـ"الخطوة الاستثنائية" المتمثلة بعملية اختطاف عطوي.

 

ويبرز تناقض عملياتي واستخباراتي في رواية تل أبيب بشأن دوافعها الحقيقية من العملية، حيث زعمت أنها لم تقم باغتيال عطوي رغم قدرتها على ذلك، لأن اعتقاله فقط يمكن أن يوفر معلومات استخباراتية حول أنشطة "الجماعة الإسلامية" في لبنان وسوريا، وهذا يعني أن العملية قامت على هواجس، ومجرد محاولة لكشف معطيات أمنية مزعومة، أكثر من كونها جازمة لامتلاك عطوي معلومات حساسة تبحث عنها الأجهزة الأمنية في تل أبيب، وهو أمر نوه إليه مراسلون عسكريون إسرائيليون في إفاداتهم الإذاعية.

 

ولا تعكس فرضية البحث عن المعلومة الأمنية، بحد ذاتها، ذريعة تل أبيب التقليدية المتمثلة بـ"منع خطر وشيك" لأن إسرائيل حاولت منذ اللحظة الأولى لمفاوضات وقف إطلاق النار في لبنان، أن تحصل على رخصة أميركية لمواصلة هجماتها في قلب لبنان خلال اتفاق الهدنة، بذريعة تحييد خطر عاجل،  ما يعني أن هذا الدافع الانتهازي لم يتوفر في حالة اختطاف عطوي. 

 

وعادت السلطات الإسرائيلية للقول أنها تريد استكمال معلومات منقوصة، وقالت صحيفة "يديعوت أحرونوت" أن اسم عطوي مرتبط بإطلاق النار على قوة للجيش الإسرائيلي في بلدة بيت جن بريف دمشق قبل حوالي 3 أشهر، كما ورد اسمه أيضاً في تحقيق مع ستة عناصر من "الجماعة الإسلامية" اعتقلوا قبل نحو 6 أشهر.

 

واستندت تل أبيب في تبرير مبالغتها وتضخيمها بشأن دوافع العملية، إلى ادعاء أمني مفاده أن "الجماعة الإسلامية" على عكس التنظيمات الأكبر والأكثر ترسخاً، تعمل ضمن بنى محلية "لا مركزية نسبياً"، ما يجعل من الصعب كشف بنيتها التحتية في وقت مبكر. وأشارت مواقع أمنية إسرائيلية إلى بروز اتهامات أمنية خلال الأشهر الماضية لـ"الجماعة الإسلامية" بأنها تسعى لتوجيه هجمات "عابرة للحدود وبناء خلايا نائمة في الشمال". وذكرت تحليلات عسكرية إسرائيلية أن "حزب الله" يحاول الدفع نحو تنفيذ عمليات في مناطق حدودية لبنانية وسورية ضد أهداف إسرائيلية، عبر تنظيمات محلية صغيرة ينتمي بعضها لـ"الجماعة الإسلامية".

 

وبحسب الادعاءات الإسرائيلية، فإن إحباط هذا النوع من البنى التحتية يهدف إلى "منع إنشاء جبهة إضافية أو موازية"، والحفاظ على الردع في المنطقة الحساسة على الحدود اللبناني، وهي مزاعم تدل على أن تل أبيب تتخذ من هواجسها وشكوكها الأمنية، ذريعة ضامنة لمواصلة عدوانها في لبنان، ضمن محاولة جعله مشهداً معتاداً، علماً أن "الوحدة 210" الإسرائيلية نفذت مهمات معلنة وأخرى سرية في مناطق لبنانية حدودية خلال الأسابيع الماضية، بحسب صحافيين متخصصين بالشأن العسكري.

 

وتستغل إسرائيل هذه المهمات أيضاً، لتنفيذ مهمات استخباراتية عبر زرع أدوات تكنولوجية فائقة الدقة لا يمكن كشفها بسهولة؛ لتتبع كل حركة في البلدات الجنوبية، إلى جانب استغلالها لتدريب قوات الجيش بشكل مستمر على هذه النوعية من المهمات العابرة للحدود، أما التركيز على "الجماعة الإسلامية" هذه المرة، فيهدف إلى خلق مزاعم مستجدة لمواصلة العدوان على لبنان، للقول أن "حزب الله" ليس هاجس إسرائيل الوحيد، وأن الخطر في جنوب لبنان ليس شيعياً فقط، بل سني أيضاً.

جاري التحميل...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث