الحِداد الطرابلسي الطويل: مباني الموت أسوأ من الفقر والحروب

المدن - ميدياالثلاثاء 2026/02/10
Image-1770718410
انهيار مبنى في طرابلس (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

تحسر عدنان مرداش بحرقة على جيرانه الذين قضوا تحت الركام، ودكانه الذي سوي بالأرض جراء انهيار مبنى على رؤوس قاطنيه في مدينة طرابلس شمال لبنان، في فاجعة أسفرت عن مقتل 14 شخصاً وسلطت الضوء مجدداً على إهمال السلطات لمعايير السلامة العامة.

وانهار عصر الأحد، مبنى قديم مؤلف من 12 شقة في حي باب التبانة في طرابلس، كبرى مدن شمال لبنان، والمعروفة بمعاناة العديد من سكانها الفقر المدقع والظروف المعيشية الصعبة، حسبما نقلت وكالة "فرانس برس".

 

وقال مرداش (54 عاماً) الذي أغلق محله الكائن في الطبقة الأرضية للمبنى قبيل انهياره: "مات جيراننا وأحبابنا، عشرة عمر نحن وإياهم، خسرناهم. وخسر الناس أرزاقهم ونحن منهم". وروى الرجل، وهو أب لأربع بنات كان يعمل في دكانه الصغير منذ 35 عاماً: "كنا نشعر أن وضع البناء ليس جيداً، وتواصلنا مع البلدية لكن لم يأتنا جواب".

 

وفي الشارع الضيق المؤدي للمكان، خيم الوجوم والتعب على وجوه السكان، ومنهم مرداش الذي أكد أنه لا يملك مصدر دخل آخر. وقال: "الفقير لا أحد يسأل عنه، لو كان في هذا البناء مسؤول، لتم إصلاحه في غضون ثوان". ومن شرفات أبنية مجاورة قديمة ومتلاصقة، راقبت نسوة وأطفال فرق الإنقاذ أثناء رفعها الأنقاض بصعوبة. وأمام متجره المجاور، بكى نصر فاضل (60 عاماً) وهو يستعيد مشهد انهيار المبنى. وقال: "نحن نعيش هنا في فقر مدقع، مرت علينا حروب، وربينا أبناءنا، نعجز عن وصف ما رأيناه".

 

وقبل الأزمة الاقتصادية غير المسبوقة التي يشهدها لبنان منذ العام 2019، كان أكثر من نصف عدد سكان طرابلس يعيشون عند خط الفقر أو دونه، بحسب الأمم المتحدة. وانهار المبنى في شارع مكتظ يفصل بين منطقتي التبانة ذات الغالبية السنية وجبل محسن ذات الغالبية العلوية، اللتين شهدتا العديد من الاشتباكات بين العامين 2007 و2014 معظمها على خلفية النزاع في سوريا.

 

ومازالت آثار الرصاص والقذائف على الأبنية تشهد على ضراوة المعارك. وفاقمت الاشتباكات ثم الزلزال الذي ضرب تركيا وسوريا العام 2023، وتأثر به لبنان، وضع الأبنية سوءاً. وأثار انهيار المبنى حالة من الغضب الممزوج بالقلق في أزقة طرابلس حيث تتلاصق عشرات الأبنية المتداعية أو المتصدعة، خصوصاً أن الحادثة هي الثانية في غضون أسبوعين في المدينة. ولم تتخذ السلطات اجراءات كفيلة بعدم تكرار المأساة، رغم التحذيرات من كثرة الأبنية الآيلة للسقوط.

 

وأعلنت بلدية طرابلس الأحد المدينة "منكوبة"، ودعت السلطات لتحمل مسؤولياتها. وأعلن رئيس الوزراء نواف سلام بعد جلسة حكومية طارئة، الاثنين، أن السلطات قررت "إخلاء المباني المعرضة للسقوط وعددها 114"، على ان يتم ذلك على مراحل في مهلة لا تتجاوز شهراً. وتعهد توفير بدلات إيواء للعائلات لمدة سنة.

 

ويحتاج 600 مبنى إلى "تدخل مباشر للتدعيم"، بحسب رئيس البلدية عبد الحميد كريمة الذي حذر من "مأساة كبيرة" لأن التقديرات ربما تفوق ذلك. وعزا كريمة الوضع الراهن الى "غياب الدولة"، وأيضاً مخالفات في مبان قديمة يقطنها مستأجرون منذ عقود مقابل بدل إيجار ضئيل. وأخلت البلدية 12 مبنى حتى الآن، ونقلت قاطنيها إلى معهد فندقي.

 

وفي أواخر كانون الثاني/يناير، انهار مبنى في منطقة القبة بطرابلس، ما أسفر عن مقتل رجل وابنته بعدما كانوا في عداد أفراد رفضوا مغادرة البناء رغم خطر انهياره. يومها، خسر يوسف أحمد (80 عاماً) منزله الذي سكن فيه لأكثر من خمسة عقود، وانتقل للسكن لدى ابنته. وشرح: "لم يقدم أحد لنا المساعدة"، مشيراً الى أن في المدينة "نواباً وأثرياء. لم يسأل أحد عن حالنا".

 

ولم يقتصر انهيار الأبنية على طرابلس، بل سجلت مناطق أخرى حوادث مماثلة خلال السنوات الأخيرة، في بلد حيث لا يتم في أحيان كثيرة الالتزام بمعايير السلامة الإنشائية للأبنية، والمشيد قسم منها عشوائياً منذ عقود على أراض مشاع.

 

وفسرت المعمارية عبير سقسوق، الخبيرة في التنظيم المدني في منظمة "استديو أشغال عامة"، حال بعض الأبنية الى ترك "السلطات المباني تتدهور من دون أي ترميم أو معالجة وفي ظل خلل تشريعي" يتمثل بمرسوم للسلامة العامة صدر مطلع القرن الحالي، ولا يلحظ آلية لكيفية ترميم المباني التي تم تشييدها قبل صدوره. وأوضحت سقسوق أن أبنية كثيرة شيدت "من دون رقابة"، مشيرة الى "خلل بنيوي يعلقت بنظام الحكم وكيف أهمل هذا الموضوع عبر فراغ تشريعي وعبر سياسات سكنية غير عادلة". 

 

وفي غياب خطط رسمية لتأهيل دوري للأبنية القديمة، وفي غياب بدائل، يختار سكان العيش في خطر عوضاً عن التشرد. من هؤلاء محمد السيد (56 عاماً) الذي رفض مغادرة منزله في منطقة القبة، رغم تساقط حجارة من شرفة الطابق الثاني. وقال بانفعال أنه حذر البلدية مراراً من تصدع المبنى، بعدما بنيت أربعة طوابق إضافية فوق الطابقين الأساسيين. وأضاف: "لا مأوى لدي ولا سكن بديلاً".

 

جاري التحميل...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث