دمشق على خشبتين.. وذاكرة واحدة

مصطفى الدباسالأحد 2026/02/08
Image-1770551769
من معرض الكتاب في دمشق (سانا)
حجم الخط
مشاركة عبر

شهدت مدينة دمشق في يومين متتاليين، حفلتين افتتاحيتين، الأولى لإطلاق الهوية السمعية والبصرية الجديدة لـ"إذاعة دمشق" ضمن حفلة نظمتها وزارة الإعلام في "دار الأوبرا" في 4 شباط/فبراير الجاري، بحضور وزير الإعلام حمزة المصطفى ومشاركة مؤسسات الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون، مع إعلان إعادة تقديم الإذاعة كمنصة متعددة الوسائط عبر هوية جديدة وتوسيع حضورها الرقمي والتوجه إلى البث الفضائي. 

أما الثانية، فكانت لافتتاح الدورة الاستثنائية من "معرض دمشق الدولي للكتاب" في "قصر المؤتمرات" في 5 شباط/فبراير الجاري بتنظيم من وزارة الثقافة وبحضور رسمي تقدمه الرئيس أحمد الشرع في عودة للمعرض بعد انقطاع ومع برنامج يمتد بين 6 و16 شباط/فبراير الجاري.

 

سياقان مختلفان

ورغم اختلاف السياقين، فإن ما ميز الافتتاحين لم يكن الخطاب الرسمي ولا الإعلانات التنظيمية، وإنما العروض الحية التي استدعت مواد محفورة في الذاكرة الجمعية للسوريين. فقرة مستوحاة من برنامج "حكم العدالة" في حفلة إطلاق الإذاعة، وأداء جماعي مباشر لشارة مسلسل "كان يا ما كان" في افتتاح المعرض، قبل أن تنتقل المقاطع بسرعة إلى وسائل التواصل، وتتحول إلى لحظة نوستالجيا وحدت المشاعر وقدمت للحدثين قيمة رمزية تجاوزت حدود القاعة.

النوستالجيا أداة تنظيم ناعمة

وكشف ما جرى على خشبتي دار الأوبرا وقصر المؤتمرات، اختياراً مقصوداً لاستدعاء الذاكرة السعيدة في لحظة يُعاد فيها ترتيب المجال العام، حيث تتحول النوستالجيا إلى أداة تنظيم ناعمة تنتج إحساساً بالاستمرارية الرمزية بين سوريا التي يتذكرها الناس في تفاصيل يومية بسيطة، وسوريا التي يراد تقديمها اليوم كفضاء عام جديد بعد سقوط نظام الأسد، وهو ما يفسر قدرة مقطع قصير من برنامج إذاعي أو شارة مسلسل تلفزيوني، على توحيد مزاج جمهور متباعد في الأمكنة والخبرات، وحتى في المزاج العام في ظل كل ما حدث ويحدث في سوريا منذ 8 ديسبمر 2024، من دون الحاجة إلى خطاب سياسي مباشر أو تفسير مؤسسي مطول.

في هذا السياق، يختلف الأداء الحي عن إعادة النشر أو الاستعادة الأرشيفية، لأن الذاكرة تخرج من الأرشيف وتتحول إلى حدث آني، يشارك فيه الحاضرون في القاعة، والمتابعون عبر المقاطع المنتشرة في وسائل التواصل، مما يوسع الإحساس بالجمع، ويُعيد تعريف الـ"نحن" عبر مرجع ثقافي مألوف، وهو ما يمنح الافتتاح وظيفة تتجاوز الإعلان عن مشروع أو دورة ثقافية، لتصل إلى مستوى صناعة إحساس عام قابل للانتقال السريع.

 

"حكم العدالة"

وتحول برنامج "حكم العدالة" الذي انطلق عبر أثير إذاعة دمشق العام 1977، وتولى إخراجه أحمد عنقا، عبر عقود، إلى أحد أطول الأعمال الإذاعية السورية، وكان تمثيلاً لفكرة العدالة في زمن كانت فيه الإذاعة مرجعاً يومياً، ومع الوقت صار جزءاً من الإيقاع الأسبوعي للعائلات، حيث تشكلت علاقة خاصة بين الصوت والمخيلة والبيت والسيارة والمواصلات العامة.

إعادة تقديم هذا البرنامج على خشبة المسرح، ضمن حفلة وزارة الإعلام، استعاد الصوت بوصفه هوية عامة، والإذاعة بوصفها مؤسسة تستثمر تراثها الرمزي لتثبيت حضورها في صيغة جديدة، حيث انتقل الراديو من كونه وسيطاً سمعياً إلى مادة قابلة للمشاهدة والتداول ثم إلى لقطة تحمل شحنة وجدانية عالية تكرس نجاح الافتتاح قبل الدخول في تفاصيل المشروع الإعلامي المعلن.

شيفرة الطفولة الجماعية

وبالمثل، لعبت شارة مسلسل "كان يا ما كان" هذا الدور من زاوية مختلفة، فالمسلسل الذي بدأ عرضه العام 1992 وأخرجه أيمن شيخاني عن قصة حسين راجي وسيناريو داوود شيخاني، شكل لدى جيل كامل ذاكرة تلفزيونية مرتبطة بالحكاية والأسرة والفانتازيا، ومع الزمن تحولت شاراته إلى علامات سمعية تختصر طفولة جماعية كاملة ومازالت لقطاته يعاد تدويرها اليوم لأول عمل سوري استخدمت فيه عمليات الكومبيوتر والغرافيك لتنفيذ الخدع البصرية والمسموعة في عمل درامي، ويعد، حسب نقاد، من أفضل الأعمال الفنية العربية بتقنيات كانت سباقة في عالم الفن العربي، فقدم الرؤية المبهرة.

ومن الواضح أن استدعاء شارة المسلسل في معرض للكتاب، يحمل رغبة من المنظمين في الخروج من صورته النخبوية الضيقة، وفتح مدخل عاطفي سريع يعيد ربط الثقافة بالحياة اليومية، ويمنح الحدث قدرة فورية على الوصول إلى جمهور أوسع، من خلال مادة يعرفها الجميع وتشرح نفسها بنفسها.

 

الكلفة الرمزية: سؤال الجيل والتمثيل

غير أن استثمار النوستالجيا، رغم قدرته على توحيد المزاج العام، يفتح سؤالاً اجتماعياً يتعلق بمن تخاطبه هذه المرجعيات، لأن المواد المختارة تنتمي إلى زمن محدد وتحمل تصوراً بعينه لفكرة "سوريا الجميلة"، فيما تشكل وعي أجيال أخرى في سياق مختلف تماماً وسط الحرب والانقسام والتهجي وتمتلك ذاكرة مغايرة تحتاج إلى تمثيل ثقافي جديد وإلى رموز نابعة من حاضرها لا من أرشيف سابق.

وفي هذا المستوى، لا تتوقف دلالة الافتتاحين عند جمالية الفقرة أو دقة التنظيم، حيث تمتد إلى سؤال أعمق حول معنى بناء سردية ثقافية جامعة في مرحلة تأسيس جديدة، وكيف يمكن تحويل لحظة الذاكرة إلى سياسة ثقافية وإعلامية مستمرة تنتج مع الوقت رموزاً جديدة قادرة على تمثيل التنوع الجيلي والاجتماعي، من دون الاكتفاء بإعادة تدوير ما هو محبوب ومجرب.

وهنا يبدأ الاختبار الحقيقي بعد انطفاء الأضواء، حين يطرح السؤال حول ما إذا كانت هذه اللحظة بداية مسار طويل النفس وكيف ستتمكن المؤسسات من إنتاج محتوى جديد يستحق لاحقاً أن يتحول إلى ذاكرة مشتركة عبر مشروع ثقافي وإعلامي قادر على ملامسة الحاضر وصناعة المستقبل.

 

جاري التحميل...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث