تحقيق إستقصائي: الأسد تعمّد قتل صحافية أميركية ومصوّر فرنسي

المدن - ميدياالأحد 2026/02/08
Image-1770550349
صحافيون قتلوا في اعتداء بابا عمرو في 2012 (سوشيال ميديا)
حجم الخط
مشاركة عبر

في تحقيق استقصائي جديد، كشفت مؤسسة "سراج" للصحافة الاستقصائية بالتعاون مع منظمة "مراسلون بلا حدود"، أدلة غير مسبوقة تثبت أن قصف المركز الإعلامي في حي بابا عمرو بمدينة حمص في 22 شباط/فبراير 2012 كان عملية عسكرية متعمدة هدفت إلى قتل الصحافيين الموجودين داخله، وفي مقدمهم الصحافية الأميركية ماري كولفين والمصور الصحافي الفرنسي ريمي أوشليك، في واحدة من أكثر الجرائم وضوحاً ضد الصحافة خلال النزاع السوري.

ويستند التحقيق الذي شارك في إعداده الصحافيون السوريون أحمد حاج حمدو ووائل قرصيفي وعلي الإبراهيم إلى وثائق قضائية وشهادات ضباط منشقين وناجين وخبراء أسلحة وتحليلات مصادر مفتوحة، ليعيد تفكيك الرواية الرسمية التي طالما روّج لها النظام السوري، والتي أنكرت أي استهداف متعمد للصحافيين واعتبرت ما جرى قصفاً عشوائيا في سياق العمليات العسكرية.

وحسبما توصل إليه التحقيق، فإن قوات النظام كانت على علم مسبق بوجود الصحافيين داخل المركز الإعلامي، بعد تتبع دخولهم من لبنان ورصد إشارات البث عبر الأقمار الاصطناعية واستخدام شبكة من المخبرين المحليين وطائرات الاستطلاع، قبل أن تستكمل العملية بخطة مدفعية دقيقة هدفت إلى ضمان إصابة الهدف بشكل مباشر.

مدفع ميداني سوفياتي

 وأكد التحقيق أن القصف نفذ على مرحلتين، بقذيفة جوفاء أولى، للتأكد من الإحداثيات وإجبار من في الداخل على الحركة، تلتها قذيفة شديدة الانفجار أودت بحياة كولفين وأوشليك وأصابت صحافيين آخرين.

وبيّن التحقيق أن السلاح المستخدم هو مدفع ميداني سوفياتي من طراز M46 عيار 130 ملم، أطلقت قذائفه من الفوج 64 التابع لجيش النظام على مسافة تقارب 12 كيلومتراً جنوب حي بابا عمرو، مستنداً إلى مقارنة دقيقة بين مقاطع فيديو نشرها جنود من داخل الفوج وصور أقمار اصطناعية وتحليل زمن وصول القذائف من لحظة الإطلاق حتى الارتطام.

كما يتتبع التحقيق سلسلة القيادة العسكرية التي قادت إلى تنفيذ الضربة، بدءاً من رأس النظام السابق بصفته القائد الأعلى للجيش، مروراً باللجنة الأمنية والعسكرية في حمص، ووصولاً إلى قادة المدفعية ونقاط المراقبة الميدانية التي زودت غرفة العمليات بالإحداثيات الدقيقة للمركز الإعلامي. ويخلص التحقيق إلى أن هذا التسلسل يثبت توافر عنصر النية والتخطيط المسبق، وهو ما يرقى بالهجوم إلى مستوى جريمة حرب وجريمة ضد الإنسانية.

 

دعوى جنائية

ويأتي نشر هذه الأدلة في سياق دعوى جنائية مرفوعة أمام القضاء الفرنسي ضمن مبدأ الاختصاص القضائي العالمي، حيث أصدرت محكمة جرائم الحرب في باريس، في أيلول/سبتمبر 2025، سبع مذكرات توقيف بحق مسؤولين سوريين رفيعي المستوى على خلفية قصف المركز الإعلامي في سابقة قضائية اعتبرها حقوقيون تحولاً نوعياً في مسار مساءلة الجرائم المرتكبة بحق الصحافيين في سوريا.

ويشير التحقيق إلى أن هذه القضية تختلف جذرياً عن الدعوى المدنية التي رفعتها عائلة ماري كولفين في الولايات المتحدة، والتي انتهت العام 2019 بحكم تعويض مالي من دون أن تفضي إلى مساءلة جنائية أو تفكيك لسلسلة المسؤولية، في حين يعتمد المسار الفرنسي على توصيف قانوني جنائي يستند إلى إثبات الاستهداف المتعمد للمدنيين الصحافيين ضمن هجوم واسع ومنهجي.

 

اعتقال الناجين

ويتوسع التحقيق ليقدم معلومات حول ما حدث بعد عملية القتل المتعمدة من قبل نظام الأسد، كاشفاً محاولات النظام منع إجلاء الجرحى والسعي إلى اعتقال الصحافيين الناجين، وصولاً إلى اعتقال ضباط ساعدوا في تهريب الصحافية الفرنسية إديت بوفييه من الحي المحاصر، وفي مقدمتهم النقيب ربيع حمزة الذي تحول لاحقاً إلى شاهد رئيسي في القضية بعد سنوات من الاعتقال في سجن صيدنايا.

وبهذا المعنى، يعيد التحقيق فتح ملف بابا عمرو من زاوية صحافية ويضع الجريمة أيضاً في إطارها القانوني والسياسي الأوسع، باعتبارها جزءاً من سياسة ممنهجة هدفت إلى إسكات التغطية المستقلة وبث الخوف في صفوف الصحافيين ومنع نقل صورة ما كان يجري على الأرض خلال واحدة من أكثر مراحل القمع دموية في سوريا.

 

جاري التحميل...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث