جلستُ في الصف الرابع. الغرفة صغيرة، تضم شابات من أطياف متعددة، جئن من محافظات مصرية شتى، وبعضهن من دول عربية، لحضور احتفالية لإحدى المبادرات النسوية. اعتلت رئيسة المبادرة المسرح، وخلفها شاشة ضخمة تتوالى عليها كلمات. مجرد كلمات، لكن وراء كل منها حياة كاملة: معنى، أزمة، تجربة، ذكرى.
ظهرت كلمات مثل شرف ومتعة، حتى جاءت كلمة أمان، بحجم القاعة كلها، لتبتلعني في دوامة من الأفكار بحجمها. لم توقظني منها سوى لكزة من جارتي.
أجيد التعبير عن أكثر من خمسين شعورًا: السعادة، الغضب، القلق، الاشتياق، الشك، الحيرة، التوتر، اللهفة. وأستطيع التمييز بينها بدقة، إلا شعور الأمان. هذه الكلمة تحديدًا تصطدم دائمًا بجدار عميق داخل روحي، لا تنفذ إليه أي لغة.
الأمان والفقد
توشك أعوامي الثلاثون على الانتهاء. لست ممن وُلدوا وفي أفواههم ملاعق من ذهب، بل أنتمي إلى الشريحة الواسعة من أبناء الطبقة الوسطى -أو المطحونة- في مصر. وربما أسمح لنفسي، ولو لبضع فقرات، بلعب دور "الضحية"، رغم أن طبيبتي النفسية وأصحاب مدرسة الإيجابية السامة لن يعجبهم الأمر. لكن هذا الجرح في روحي، حفرته سنوات عنوانها الأبرز: انعدام الأمان.
كنت في الثالثة عشرة حين توفي والدي، الموظف البسيط الذي ترك لنا غطاء أمان محدودًا ومهترئًا. بعد أيام من وفاته، كان الشعور المسيطر عليّ هو الصقيع. كنا في أيلول/ سبتمبر، "آخر أيام الصيفية"، ومع ذلك تجمدت أطرافي. منذ ذلك الحين، صار كل إحساس بانعدام الأمان يُترجم في جسدي برداً قارساً.
كبرت وأنا أحاول إعادة كتابة حكايتي وصناعة أماني الخاص. جاءت سنوات ما بعد ثورة يناير محمّلة بالتحديات. فتشت عن الفرص وخلقتها، تمسكت بالإيجابية، وطرقت أبوابًا لم تكن على مقاسي، لكن ذلك كله لم يصنع لي استقرارًا أو حتى أمانًا جزئيًا. أنا لست حالة استثنائية، بل نسخة مكررة من أبناء وبنات جيلي في الثلاثينيات من عمرهم، نحاول أن نصنع شرانقنا الخاصة من الأمان، أو ندفن الكلمة في أعماقنا حتى لا تنزف الجراح.
مفرمة القاهرة
حين دخلتُ عقد الثلاثينيات، كنت أمتلك عملًا ناجحًا نسبيًا، وشبكة علاقات واسعة، لكنها لم تتحول إلى دخل "آمن" يحمي شابة مستقلة تغوص وحدها في وحشية القاهرة. كانت ترن في أذني جملة الفنان أحمد راتب في فيلم "مطب صناعي": "كان لازم تفهم وإنت خارج من البوابات وداخل على مصر -يقصد القاهرة- إنت مانتاش داخل على جنة، أنت داخل على مفرمة"، تتبعها أغنية محمد محيي المتباكية: "اتخنقت وطلعت كنت بضيع وقت".
في القاهرة، الحسابات مختلفة. أبناء الأقاليم القادمون بطموحاتهم الكبيرة يكتشفون الفارق سريعًا: هنا، عليك أن تبحث كل بضعة أشهر عن سكن جديد، وأن تحزم أمتعتك مرارًا، وأن تدفع ثلاثة أرباع راتبك للإيجار والفواتير والطعام، بينما يطاردك القلق من طرق الغرباء. ثم تكتشف أن زميلك القاهري -في عمرك وخبرتك- يعيش في فارق طبقي ومادي يخنقك ويبتلع ما تبقى من أمانك.
لا تراجع ولا استسلام
جيلنا -جيل الثورة- عافَر ضد الظروف. خلقنا الفرص، لا لأننا نعشق المغامرة، بل لأننا لا نملك رفاهية الانهيار أو الاستسلام. لكن، عامًا بعد عام، اتسعت الفجوة بين طموحاتنا وواقعنا، خصوصاً بعد ثورة يونيو، لتأخذ معها جزءًا من أرواحنا. ومع ذلك، واصلنا المسير، حتى مع انهيار الجنيه المصري وارتفاع الأسعار. لا وقت للبكاء أو التراجع.
ستكون مزحة إن سألت شابا أو شابة في الثلاثينات حالياً، عن معنى الأمان، وهل شعر به في السنوات الأخيرة؟
في الفعالية، اختلفت الإجابات عن سؤال: "إيه هو الأمان بالنسبة لكم؟"... بين أصدقاء أو عائلة أو مال. أما أنا، فكانت إجابتي بسيطة: البيت. بيت صغير يشبهني، يحتضن ذكرياتي، لا أضطر لتفكيكه وحمل بقاياه من مكان إلى آخر، ولا لتركه خلفي حتى لا تُثقل حقيبة خيباتي.
كشابة مصرية ثلاثينية، أنا مثل 95% من المصريات -وفق الإحصاءات- لا أملك بيتًا. حلمنا جميعًا هو جدران أربعة تضمّنا، بلا زيادة مفاجئة في الإيجار، حتى لو كانت أرضيته بلاطًا وأثاثه غائبًا. لكن القوانين والعادات والاقتصاد تجعل امتلاك النساء بيتاً، حلاً بعيد المنال. البطالة بين النساء أعلى من الرجال، والثروة والعمل في أيدي الرجال بنسبة أكبر.
اللافت أن أياً من الحاضرات لم تربط الأمان برجل أو حب أو علاقة عاطفية. يبدو أن الخاسرات في الحب في القاعة أكثر من الرابحات. وقبل أن تختفي كلمة "أمان" من الشاشة، تذكرتُ أكثر من 500 تعليق وصلني على فايسبوك، مليء بالسباب والسخرية والخوض في شرفي، فقط لأني كتبت: "5% فقط من النساء في مصر يمتلكن عقارات".




