لا يُختصر ملف تجنيد "قسد" للقاصرين في الحرب السورية، بحكاية الطفلة الكردية أمارة محمود خليل التي خرجت صباح 14 نيسان/أبريل 2024 بزي المدرسة في عين العرب/كوباني، ثم ظهرت لاحقا كجثة عادت إلى عائلتها مطلع 2025.. فهذا المسار من التجنيد القسري، بات أشبه بلغم إنساني، انفجر أخيراً بـ"قوات سوريا الديمقراطية" و"حزب العمال الكردستاني" المصنف في لوائح الإرهاب في بعض الدول الغربية، إضافة الى تركيا.
وكان اسم الطفلة أمارة محمود خليل، عاد إلى التدوال بعد ظهورها بالزي العسكري قبل الإعلان عن مقتلها في معارك حي الشيخ مقصود، لتفتح واحداً من أكثر الملفات الانسانية في شمال وشرق سوريا، وهو ملف تجنيد القاصرين واستخدامهم في النزاعات المسلحة. فالصورة التي أريد لها أن تثير التعاطف، سرعان ما تحولت إلى سؤال سياسي وقانوني وأخلاقي حول المسؤول عن مقتل فتاة قاصر وصلت إلى خط اشتباك وكيف وصلت أصلا إلى هناك.
"الشبيبة الثورية" كقناة تجنيد
على مدار سنوات، ورد اسم تنظيم "الشبيبة الثورية" في عشرات التقارير الحقوقية بوصفه قناة رئيسية لتجنيد القاصرين، ووثقت "الشبكة السورية لحقوق الإنسان" مئات الحالات منذ تأسيس "قوات سوريا الديموقراطية"، وقالت في تقارير متكررة إن أطفالاً أخذوا من أمام مدارسهم أو أثناء توجههم إلى أعمالهم أو من منازلهم، ثم اقتيدوا إلى معسكرات تدريب مع منع ذويهم من التواصل معهم.
وخلال العام 2025 وحده، وثقت الشبكة حالات تجنيد متعددة لقاصرين وقاصرات في كوباني والحسكة والقامشلي والشيخ مقصود بأسماء وتواريخ محددة، كما تحدثت منصات إعلامية محلية عن نمط مشابه، وعن احتجاجات لأهالي فتيات أمام مقار تابعة لـ"قسد" من دون أن يؤدي ذلك إلى تغيير ملموس في الواقع.
التزامات معلنة وانتهاكات مستمرة
وفي العام 2019، وقعت القيادة العسكرية لـ"قوات سوريا الديموقراطية"، خطة عمل مع الأمم المتحدة للتعهد بإنهاء تجنيد الأطفال ومنع استخدامهم في النزاعات المسلحة، غير أن تقارير لاحقة بينها تقارير "هيومن رايتس ووتش"، أكدت أن التجنيد لم يتوقف وأن مجموعات مرتبطة بـ "قسد"، وفي مقدمها "الشبيبة الثورية"، ما زالت تمارس هذا الدور بما يشمل فتيات قاصرات ضمن وحدات حماية المرأة.
وقالت "هيومن رايتس ووتش" بوضوح إن استمرار هذه الممارسات يقوض أي التزام معلن، وأن مسؤولية القيادة العسكرية لا تقتصر على إصدار التعهدات، بل تشمل فرضها فعلياً على كل المجموعات العاملة في مناطق سيطرتها.
أرقام الأمم المتحدة
ووثق تقرير الأمين العام لـ"الأمم المتحدة" حول الأطفال والنزاع المسلح عن العام 2023، أكثر من 1073 حالة تجنيد واستخدام للأطفال في سوريا، ونسب 231 حالة منها إلى "قوات سوريا الديمقراطية"، و203 حالات إلى وحدات حماية الشعب/وحدات حماية المرأة" و 27 حالة إلى قوات الأمن الداخلي.
وذكر التقرير أيضاً "حركة الشبيبة الثورية الوطنية" ضمن سوريا مع 10 حالات تجنيد، كما يورد التحقيق الخاص بمنظمة "الأمم المتحدة خطف 4 فتيات منسوباً إلى تلك الحركة، وتضع هذه الأرقام قضية أمارة داخل سياق موثق دولياً، وتوضح أن التجنيد ليس اتهاماً مرتبطاً بحادثة واحدة.
تقرير ألماني يكسر الصمت بالصورة
وفي السياق، بثت منصة "crisis der front"، التابعة لشبكة "Funk" الألمانية، ريبورتاجاً استقصائياً عبر "يوتيوب"، وثق زيارة مراسل ألماني لمناطق خاضعة لسيطرة "قوات سوريا الديموقراطية"، وبشكل خاص مواقع تابعة لوحدات "حماية المرأة"، وظهرت خلال التصوير فتيات يبدون بوضوح دون سن الثامنة عشرة ضمن صفوف الوحدات القتالية.
وقد فوجئ المراسل عند وصوله لمقابلة مجموعة من المقاتلات، و قال صراحة أمام الكاميرا إن أعمار بعض المقاتلات تبدو 17 عاماً أو أقل، وعندما حاول سؤال إحدى الفتيات عن عمرها عند الانضمام، تدخلت المترجمة الكردية وطلبت منها عدم الإجابة، ليتحول الريبورتاج الذي لم يكن هدفه الأصلي فضح ملف التجنيد، إلى دليل بصري على وجود قاصرات داخل تشكيلات مسلحة في تناقض صارخ مع الخطاب الرسمي المعلن.
تجنيد الأطفال: جريمة حرب لا يغيرها الخطاب
ويصنف تجنيد القاصرين واستخدامهم في النزاعات المسلحة، كجريمة حرب بموجب القانون الدولي، وفقاً لاتفاقية حقوق الطفل وبروتوكولها الاختياري، وتقارير الأمين العام للأمم المتحدة حول الأطفال والنزاع المسلح، ولا يسقط هذا الوصف بتغيير الجهة الفاعلة ولا بتغليفه بخطاب تحرري أو "دفاعي"، ولا بتحويل الضحية لاحقاً إلى رمز دعائي.
الأخطر في هذا الملف ليس فقط تحويل الأطفال إلى مقاتلين، بل تطبيع الفكرة ثم استثمار صورهم بعد مقتلهم لإنتاج خطاب تعاطفي يتجاهل الجريمة الأصلية ويطالب الجمهور بالتضامن مع النتيجة لا مع الضحية في لحظة اختطافها. وهذا ينطبق على كافة الأطراف التي تدفع بالأطفال إلى التسلّح والقتال، ليكونوا وقود الحرب، وليس فقط على "قسد".
غياب النقاش العام وانتقائية الأخلاق
ورغم خطورة هذا الملف، فإنه ما زال غائباً عن النقاش العام عربياً ودولياً، فالإعلام الذي يرفع شعارات حماية الأطفال وحقوق الإنسان، كثيراً ما يتجاهل هذه الوقائع حين يكون الفاعل جهة تحظى بغطاء سياسي أو دولي، وهذه الانتقائية تلحق الضرر بالضحايا وتفرغ مفاهيم العدالة وحقوق الإنسان من معناها. والغطاء الدولي، إن كان بالأمس لـ"قسد"، فاليوم أو غداً ربما يحظى بها غيرها.
إن طرح قضية أمارة، وما يشبهها من مئات الحالات الموثقة، لا يستهدف شيطنة جهة بعينها بقدر ما يضع المساءلة في موقعها الصحيح، فحقوق الأطفال لا تتجزأ والضحايا لا يصبحون أقل استحقاقا للحماية لأن الجهة التي جندتهم ترفع شعار قضية مهما كانت محقة. وما بين صورة أمارة بالزي العسكري، ونداء والدتها الذي لم يسمعه أحد، تتجسد فجوة أخلاقية عميقة. فهذه الفتاة وغيرها، هم ضحايا مرتين، مرة عندما تم تجنيدهم أطفالاً وسُلبت منهم طفولتهم رغماً عنهم، سواء بالخطف أو بالإيديولوجيا (العلمانية أو الدينية)، ومرة عندما قتلوا في ساحة المعركة وهم غير مهيئين للقتال.
