أثار تعميم منسوب إلى محافظة حماه، موجة واسعة من النقاش في وسائل التواصل، وجدد المخاوف من استئناف صيغة الموافقات الأمنية في سوريا.
ويربط التعميم إقامة أي نشاط أو فعالية عامة كانت أم خاصة، بالحصول على موافقة خطية مسبقة عبر مكتب الفعاليات التابع للأمانة العامة في المحافظة، مع توسيع نطاق الالتزام ليشمل أماكن الاستضافة العامة والخاصة من مدرجات وصالات ومطاعم تحت طائلة المساءلة.
ودفع الانتشار المتأخر للتعميم ثم وصوله إلى جمهور واسع دفعة واحدة، ناشطين وحقوقيين إلى التحذير من أن الإجراء بصيغته العامة ولغته الآمرة، يهدد بإعادة إنتاج منظومة الموافقات الأمنية التي سيطرت سنوات على المجال العام عبر نقل الفكرة من جهاز أمني إلى مكتب إداري، مع نتيجة واحدة قد تسهم في تقييد الحياة الاجتماعية والأنشطة المدنية وربطها بموافقات مسبقة غير واضحة المعايير.
وفي السياق، كتب الحقوقي يوسف رزوق منشوراً حذّر فيه من أن القرار قد يفتح باب الملاحقات حتى على فعاليات عائلية بسيطة داخل مطعم أو صالة، متحدثاً عن سلسلة إجراءات قد تطاول منظم الفعالية وصاحب المكان إذا أقيمت مناسبة من دون المرور على المكاتب واللجان والهيئات المختصة، وأضاف رزوق أن العديد من الدول بات يعتمد الترخيص عبر إشعار "علم وخبر"، في حين تعود الإجراءات المحلية إلى منطق الموافقات المتعددة حتى على نشاط خيري أو احتفال بعيد ميلاد.
من جهته، كتب المحامي الحقوقي ميشال شماس في قراءة قانونية للقرار أكثر حدة، وربط بين تعميم اللاذقية المتعلق بالماكياج وتعميم حماه حول الأنشطة، معتبراً أن بعض المحافظين يتعاملون مع اللامركزية الإدارية كأنها سلطة تشريعية محلية، في حين أن التعميم قرار إداري وظيفته تنظيم العمل أو تفسير تطبيق نص قائم، مع رفض فكرة إنشاء قيود عامة جديدة عبر صياغة فضفاضة، واصفاً نص تعميم حماة بأنه يقترب من "تشريع مقنّع" لأنه يقيّد حقوقا وأنشطة لم يقيّدها القانون مباشرة.
الانتقاد لم يقتصر على الحقوقيين، إذ كتب السياسي المقيم في الولايات المتحدة الأميركية غسان مقدسي، منشوراً ركز فيه على الفجوة بين أولويات الناس اليومية وبين طبيعة القرار، متحدثاً عن الفقر والبرد وارتفاع تكاليف المعيشة، وعن حاجة مجتمع منهك إلى أي مساحة فرح وعودة للحياة قبل أن يجد نفسه أمام أسئلة من نوع، هل يحتاج عيد ميلاد، أو خطبة أو عرس إلى موافقة مسبقة؟
ويستند التعميم قانونياً وفق النسخ المتداولة، إلى قانون الإدارة المحلية الصادر بالمرسوم التشريعي رقم 107 لعام 2011، وهو قانون يحدد الإطار العام لصلاحيات الإدارة المحلية، وحدود عمل الوحدات الإدارية ضمن بنية الدولة، مع بقاء تنظيم الحقوق العامة والحريات خاضعاً لمنطق المشروعية والتناسب ووجود أساس قانوني واضح لأي تقييد، وهي النقطة التي تمسك بها منتقدو التعميم في قراءاتهم، مع تركيزهم على أن التوسع في الاشتراطات من الفعالية إلى مكان الاستضافة يخلق رقابة مسبقة على الحياة اليومية، ويضع القطاع الخاص من مطاعم وصالات في موقع جهة تنفيذية تفرض الموافقة على الزبائن قبل تقديم الخدمة.
بالتوازي، تداولت صفحات محلية مقاطع تتحدث عن توضيح من مكتب الفعاليات في حماه حول القرار، في محاولة لشرح الغاية والإجراءات، وهو توضيح ظل جزءاً من السجال نفسه، لأن جوهر الاعتراض مرتبط باللغة العامة للتعميم، وبمساحة السلطة التقديرية التي يفتحها وبالسؤال الذي يتكرر في النقاشات: ما الذي يضمن ألا تتحول الموافقة إلى أداة منع وانتقاء ووصاية على المجال العام في لحظة سورية حساسة تبحث فيها المجتمعات المحلية عن قواعد واضحة وشفافة تعيد الثقة بين الدولة والناس.
