جعجع وباسيل.. لماذا لا يعرف لبنان المناظرات السياسية؟

فاطمة البسامالأحد 2026/02/01
Image-1769948113
جعجع - باسيل (أرشيف - ألدو داوود)
حجم الخط
مشاركة عبر

 

لم تمرّ حلقة برنامج "صار الوقت" التي استضافت رئيس حزب "القوات اللبنانية" سمير جعجع، مرور الكرام. فالإطلالة التي كان يُفترض أن تندرج ضمن سياق سياسي- إعلامي اعتيادي، تحوّلت إلى منصّة هجوم مباشر على رئيس "التيار الوطني الحر" النائب جبران باسيل، مما أعاد فتح ملفات شائكة، في مقدّمها ملف الكهرباء، بلغة حادّة خرجت عن الإطار التقليدي للنقد السياسي.

غير أن النقطة الأكثر إثارة للجدل لم تكن في الاتهامات نفسها، بل في رفض جعجع الدعوة إلى مناظرة مباشرة مع باسيل عبر البرنامج نفسه، مكتفياً بجملة اعتُبرت تهرّباً من المواجهة، وهو ما فتح الباب أمام سجال سياسي وإعلامي تجاوز الحلقة التلفزيونية إلى الفضاء الرقمي.

 

دعوة للمناظرة

وكان رئيس "التيار الوطني الحر" جبران باسيل ردّ عبر حسابه على منصة "إكس"، داعياً الإعلامي مارسيل غانم إلى تنظيم مناظرة علنية بينه وبين جعجع، "لكشف من هو الفاسد والمجرم والمرتكب بحق المسيحيين واللبنانيين". وذهب باسيل أبعد من ذلك، متهماً جعجع بالجبن وعدم الجرأة على المواجهة المباشرة، ومؤكداً أن المناظرة وحدها كفيلة بوضع الوقائع أمام الرأي العام.

مع هذا السجال، انطلقت حملة إلكترونية منسّقة من قبل مناصري "التيار الوطني الحر"، ركّزت على توصيف جعجع بالرافض والمنسحب من المناظرة، في مشهد بات مألوفاً في الحياة السياسية اللبنانية، حيث تُستكمل المعارك السياسية في وسائل التواصل الاجتماعي بدل المؤسسات والمنصّات الرسمية.

لكن خلف هذا الاشتباك، يبرز سؤال أكثر عمقاً يتجاوز شخصي جعجع وباسيل: لماذا تغيب المناظرات السياسية العلنية عن المشهد الإعلامي اللبناني؟ ولماذا تتحوّل الخلافات إلى سجالات شخصية بدل مواجهات سياسية شفافة؟

 

مشكلة بنيويّة

الإعلامي جورج صليبي يرى أن المشكلة بنيوية، وتتجاوز اللحظة الراهنة. ففي حديثه لـ"المدن"، يوضح أن الزعماء السياسيين في لبنان "لا يقبلون أصلاً بفكرة المناظرة"، لا في الاستحقاقات الانتخابية ولا في المحطات المفصلية. ويذكّر بأن مطلب المناظرات كان يُطرح باستمرار خلال الانتخابات، لكن الموافقة كانت تقتصر على الصفوف الثانية أو ممثلي الأحزاب، فيما يرفض رؤساء الكتل والأسماء الأساسية أي مواجهة مباشرة.

ويشير صليبي إلى أن البرامج الحوارية اللبنانية تستضيف غالباً ضيوفاً من تيارات مختلفة، وتقدّم نقاشات حادة أحياناً، إلا أن ذلك لا يرقى إلى مفهوم المناظرة السياسية بالمعنى الديموقراطي، حيث يواجه زعيمان من الصف الأول بعضهما مباشرة، ضمن قواعد واضحة، وبأسئلة محدّدة، وأمام جمهور يملك حق المقارنة والمحاسبة.

 

شعبوية و"الأنا" السياسية

ويربط صليبي هذا الغياب بعدة عوامل، أبرزها غياب ثقافة المناظرة أصلاً في الحياة السياسية اللبنانية، إضافة إلى حسابات "الأنا" السياسية، حيث يفضّل كل زعيم الظهور منفرداً، والتحكّم بخطابه، بدل الدخول في مواجهة مفتوحة قد تُلزمه بالإجابة عن أسئلة محرجة، أو تكشف تناقضات في مواقفه أو سجله السياسي. كما لا يستبعد أن يكون غياب المناظرات مرتبطاً بكون الخلافات السياسية، في كثير من الأحيان، مضبوطة بسقوف معيّنة، فيما تُستخدم الشعبوية والسجالات الإعلامية لتحريك الشارع لا أكثر.

ويضيف صليبي عاملاً آخر لا يقل أهمية، يتمثّل في تضخّم ظاهرة "الناطقين باسم الأحزاب" والمستشارين السياسيين، الذين باتوا يؤدّون دوراً بديلاً عن القيادات نفسها. فكل حزب بات يملك متحدثين دائمين يملأون الشاشات، مما يخفف الضغط عن الزعماء، ويُبعدهم عن أي مواجهة مباشرة أو محاسبة علنية، ويحوّل النقاش السياسي إلى مبارزة كلامية بين ممثلين لا يملكون قراراً فعلياً.

 

قضية رأي عام

وفيما رفضت مصادر في "القوات" التعليق على الموضوع، معتبرة أن الأمر "مش حرزان"، قدّم مصدر مقرّب من "التيار الوطني الحر" رواية مختلفة، معتبراً في حديثه لـ"المدن" أن المناظرات السياسية "لم تحصل يوماً فعلياً في لبنان"، وأنها تشكّل في الأنظمة الديموقراطية "أسمى مراحل المحاسبة السياسية". ويشير المصدر إلى أن دعوة باسيل للمناظرة جاءت كرد مباشر على ما اعتبره كذباً وتشويهاً شخصياً وسوقية في الخطاب، مؤكداً أن المناظرة يجب أن تشمل كل الملفات، لا ملف الكهرباء وحده.

 

أدبيات السياسة اللبنانية

يكشف السجال بين جعجع وباسيل، وما تلاه من حملات إلكترونية وتصريحات متبادلة، خللاً عميقاً في الحياة السياسية والإعلامية اللبنانية. فبدل أن تشكّل المناظرات مساحة ديموقراطية للمحاسبة، وكشف البرامج، ومواجهة السجل السياسي أمام الرأي العام، تُستبدل بمناوشات كلامية وسجالات شخصية تُدار عبر الشاشات ومنصّات التواصل.

في بلد يرزح تحت أزمات اقتصادية وسياسية غير مسبوقة، يبدو أن غياب المناظرات ليس تفصيلاً إعلامياً، بل مؤشراً على غياب الإرادة بالمكاشفة، وعلى خوف مزمن من المواجهة المباشرة. وبين السجال والمناظرة، لا يزال اللبنانيون محرومين من حق أساسي: أن يروا قادتهم وجهاً لوجه، وأن يسمعوا الأجوبة لا الشعارات، في دولة لم تعتد بعد على مساءلة زعمائها علناً.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث