موضة لا تتنكّر لجِلدي

رولا الحسينالسبت 2026/01/31
Image-1769188984
(بريشة رولا الحسين)
حجم الخط
مشاركة عبر

أقص أظافري بشكلٍ منتظم، كل أسبوع أو عشرة أيام. لا أذهب إلى صالون الأظافر، أكتفي بصالون بيتي أو الحديقة. أقصها بشكل دائري و"عاللحم" كفتيات المدارس، رغم أني لم أعد أذهب إلى المدرسة ولا الجامعة. وكل شهرين أو ثلاثة، لي موعد في الصالون لإزالة اللحم الميت عن أظافر قدميّ، فأنا لا أجيد إزالته بنفسي. كما لا أضع طلاء الأظافر إلا نادراً.

 

لم يكن الأمر دائماً على هذا الحال، كنت في ما مضى أزور الصالون بشكل أسبوعي أو كل أسبوعين، ولم أكن أترك أظافري بلا طلاء أبداً، ولم أترك لوناً يعتب عليّ. الآن أطليها فقط في مناسبات قليلة، أو بالأصح في أمزجة قليلة. 

 

ومنذ سنوات توقفت عن صبغ شعري أيضاً. مرّت على شعري ألوان كثيرة، من الأشقر للكرميل للأحمر الناري. ولما لمحت أولى الشعرات البيضاء فهمت أنه سيكون علي أن أصبغ الجذور بشكل شهري للقضاء على زحف اللون الأبيض. فتوقفت وتركت الأبيض يتقدم براحته بلا أي مقاومة.

 

وتوقفت عن انتعال الكعب العالي، بعدما عدت في إحدى الأمسيات إلى البيت وأخرجت قدمي من سكربينة كعبها 5 أو 7 سنتمترات، وانتبهت كيف أنني كنت أعاقب قدمي. شعرت بالغباء وأنا أنظر في المرآة إلى قدمي المرتفعتين من جهة الكعب والمسنودتين على الأصابع من الأمام. 

سألت نفسي: لكن لماذ؟  كيف أسمح لنفسي أن أربط بين هذا الألم وهذه الحركة الأكروباتية وبين شعوري بالأناقة والأنوثة؟

 

أما الماكياج فلم أُكثر منه يوماً. مررت بفترة، كنت أضع مساحيق تجميل على وجهي، باعتدال. ظلال فوق العينين، ولون زهري أو برونزي على الخدود، وأحمر شفاه. لكني توقفت تماماً إلا عندما يطلب مزاجي. لم أستعمل أبداً الفونداتان. توقفت منذ عقود عن إضافة حشوة للصدرية بغاية الإيحاء بثديين أكبر. 

 

وما عدت أستخدم العطور، أولاً لأسباب صحية مرتبطة بالحساسية. وثانياً، وهو ما جعلني ألتزم مقاطعتها، لأني لم أجد أن رائحة العطور أزكى من رائحتي. وجدتني أرفض إخفاء رائحتي.

 

لم أتوقف عن صبغ شعري وطلاء أظافري وانتعال الكعب ووضع الماكياج والعطر في الوقت نفسه. ولم أجتمع مع نفسي على طاولة مستديرة لأقرر بشأن كل هذه الأمور التجميلية لتحديد موقفي منها. لكني وجدتني، وبشكل عضوي، أتخلى عن كل ما أصبح استعاضة عن جلدي: لونه، طوله، رائحته وملمسه. 

 

وجدتني أتخلى عن حصر "أنوثتي" (التي للأمانة لا أمانع من التخلي عن جزء منها في سبيل ما قد يؤمّن لي متعاً أخرى)، بشكلٍ يتضمن الكثير من الإضافات. لكن الأهم أني قررت التخلي عن كل ما يرهقني: همّ صبغ الشعر كلما نبت لون شعري الأصلي، طلاء أظافري كلما طالَ ظفري وظهر لونه الأصلي، خنق أصابع قدميّ في سكربينة تصلح لتكون آلة تعذيب.

 

تخليت عن التنكّر وعن انتحال شخصية بل شخصيات أخرى تظهر خلف الشكل المطلي والمصبوغ. تخليت عن اعتبار أنني كي أبدو أجمل وأكثر جاذبية يجب أن أرفض جلدي وأبدّله. لم أعتبر يوماً (حتى عندما كنت أضع الماكياج أو أصبغ شعري أو أنتعل الكعب العالي) أني أحتاج إلى اختراع  ما يجعلني جميلة، كنت وما زلت أجدني جميلة، جداً. صبغتي حينها كانت للزينة واللعب، ولتوسيع مساحة الاحتمالات لما يمكن أن أبدو عليه، وليس رفضاً للون شعري الأصلي أو لعُمري. لكن، بعدما نبت الشعر الأبيض كانت الصبغة ستصبح تغطية له ونكراناً. 

 

تعريف الأنوثة الحالي، فرض تطبيقه المستمر منذ زمن، وربطه بكل هذا التنكر، لا يلائمني. النظر في المرآة واعتبار أن الانعكاس الذي أراه هو نقص، ما لم أُضِف إليه، لا يناسبني. 

لم أبحث يوماً عن الكمال الذي يجعلني أشبه الأخريات. 

لا أرى إلا نقصاً في هذا التطابق. 

لا أرى إلا نقصاً في هذا التخلي عن الخاص.

 

العطر يغطي رائحة الجسد الأصلية، الصبغة تغطي لون الشعر الأصلي، الآي لاينر يغير شكل العين الأصلي، الكعب يخفي الطول الحقيقي، طلاء الأظافر وإطالتها يخفي شكلها. الأنوثة والجمال بتعريفهمم المتجلي حالياً يشترطان كل هذا الإخفاء للأصل وبشكل دائم، وهذا مجرد مرحلة أولى، تتبعها مراحل عديدة، كإخفاء التجاعيد وتكبير الشفاه ورفع الخدود وتكبير المؤخرة.

 

لون شفتي ليس أحمر، وطولي 167 سنتمتراً، ولقدمَيّ كعبان على مستوى أصابعهما. لون شعري كستنائي ويتغير يوماً بعد يوماً ليصبح أبيض. أظافري قصيرة ومقصوصة، مقلّمة بعناية، ولستُ قطة.

وفي الوقت عينه لم أتخلَّ عن حقي في الزينة أو اعتماد مظهر مختلف، بين الحين والآخر، عندما أقرر مع مزاجي أن ألعب، لا أن أختفي.

 

لست معنية بدعوة النساء إلى تقبّل أشكالهن الطبيعية، وألا يتنكّرن لها، لأني أصلاً مشغولة حصراً بما يخصني، ولا أنتمي إلى نادي النساء ذوات الـnatural look (أنا ألعب solo). لكني أعتبر أنه من الوقاحة أن تظن (غالبية) النساء وتتعامل وتنظّر بأن تقبّلي (وأخريات) لأصالة شكلي، فيه إهمالٍ. لأن "الإهمال" في هذه الحالة هو الموضة المقبلة... فاركضي نحوها.

 

أما أنا فلن أنتظر مقطع "ريل" لفنانة قررت فجأة اعتماد "ناتشرول لوك" لتقنعني بموضة جديدة. لم أعد أتبع الموضة. قراري أن أخلق الموضة بما يتناسب مع راحتي وشخصيتي ومزاجي وشغفي. وموضتي لا تتنكّر لجِلدي.

 

 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث