في الميثولوجيا الإغريقية، كانت ميدوسا، قبل تحوّلها إلى وحشٍ قبيح، امرأةً جميلة بشعرٍ استثنائي. لكن بعد معاشرتها لبوزيدون في معبد أثينا، غضبت الأخيرة فعاقبت ميدوسا، لا بوزيدون، محوّلةً شعرها الى أفاعٍ حيّة. توحَّش شَعر ميدوسا، لا لأنها ارتكبت خطيئة، بل لأن جسدها كان مسرحًا لتلك الخطيئة الأزلية التي ينبغي كبحها. كان جمالها مرعبًا، وكذلك قبحها. نظرة واحدة إليها كانت كفيلة بإرداء أيّ كان حَجرًا. برأس متوّجة بالثعابين ونظرة قاتلة، تحوّلت ميدوسا، حتى في لعنتها، إلى رمزٍ للقوة والخوف. وفي مماتها، صار رأسها المقطوع سلاحًا ورمزاً للحماية. قُطع رأس ميدوسا، لكن شعرها استمر في حمل وزنٍ سياسي، حتى وُضع على درع أثينا، إلهة الحرب.
عقاب ميدوسا ينتمي إلى عالم الميثولوجيا، لكن منطقه مألوف. فبعد آلاف الأعوام على الأسطورة، ما زالت السلطة تجد في شعر النساء مساحة سهلة للعقاب والقصاص حين يخرجن عن الأدوار المرسومة لهن. التاريخ يشهد، وكذلك الحاضر.
من جان دارك، التي شكّل شعرها القصير دليلاً لإدانتها، الى الساحرات اللواتي تمّ حرقهنّ برؤوس حليقة خلال القرون الوسطى، إلى المقاتلات الكرديات اللواتي قُصّت ضفائرهن كغنائم حرب، وصولاً إلى مهسا أميني والإيرانيات اللواتي يُقتلن في الشوارع بسبب إظهار خصلة شعر. لطالما كان الشَّعر أداةً تُؤدّب بها السلطة النساء، ولغةً ترفض النساء من خلالها الخضوع لهذا التأديب.
الشَّعر في مواجهة الكنيسة
حين وُضعت المراهقة جان دارك على منصة الاتهام العام 1431، أمضت المحكمة وقتًا طويلًا في النقاش حول شعرها، وهو أمر مستغرب إذا ما قورن بجوانب أخرى أكثر أهمية في القضية، مثل الانتصارات العسكرية التي حققتها تلك الشابة الفلاحة. لكن الكهنة والقضاة كانوا أكثر اهتمامًا بتفصيلٍ حميم وحاسم: أن جان دارك تقصّ شعرها "كالرجال".
كانت تلك تهمة يعاقب عليها القانون الكنسي. لكن جان أصرت أن مهمتها المقدسة تستدعي هذا المظهر؛ أي إنها تستمدّ حقّها بتجاوز قواعد الكنيسة من سلطة الله نفسه. بالنسبة إلى مؤسسة تمرّ عبرها كل سلطة، كان هذا ادعاءً هرطقياً لا يمكن قبوله. لم تستطع الكنيسة دحض رؤى جان ولا تكذيب ادعاءاتها بالاتصال المباشر مع الله. لكن شعرها، الظاهر وغير القابل للإنكار، كان أسهل ما يُمكن الطعن فيه، وبشكلٍ استعراضي يجعلها عبرةً للأخريات.
مثل آلهة الإغريق، لعن الكهنة جان دارك. لم يستطيعوا تحمّل الإهانة التي وجّهتها لهم فتاة قادرة على الخوض في الحرب واللاهوت. تقرّر إعدامها، وقبل أن تُحرق، حُلِق شعرها بالكامل.
الشّعر في مواجهة الملالي
ما حدث مع جان دارك لم يبقَ حبيس القرن الخامس عشر. فالمقصّ الذي مرّ على رأسها ما زال يعمل، وإن تغيّرت الأيدي التي تمسكه، وتبدّلت اللغات التي تبرّر فعله. في إيران، انتقل المقصّ من يدٍ الى أخرى، فتبدّلت معه قواعد الهيمنة على الجسد الأنثوي. قبل الثورة الإسلامية، فُرض على النساء كشف شعرهن بالقوة باسم التحديث. وبعدها، فُرضت تغطيته بالقوة باسم الأخلاق. في الحالتين، يشكّل جسد المرأة الإيرانية ساحةً لعرض سلطة الدولة، وشعرها لافتة سياسية تُرفَع أو تُنزَع بحسب هوية النظام.
وفي الأعوام الأخيرة، استحوذت النساء الإيرانيات على المقصّ نفسه، فقامت بعضهن بقصّ شعرهن احتجاجاً على الحجاب القسري وتعبيراً عن رفضهن أن يكون جسد المرأة أداة في يد السلطة، أياً كان شكلها.
ومع أن الشعر لا ينبت على رؤوس النساء حصراً إلا أن استخدامه كأداة عقاب وإذلال يكاد يكون محصوراً فيهن. ففي فرنسا العام 1944 مثلاً، حُلِق شعر آلاف النساء علنًا في الساحات بتهمة "التعاون" مع الألمان بعد التحرير. لم يكن ذلك عقابًا قانونيًا بقدر ما كان طقسًا استعراضيًا لإعادة تطهير الأمة عبر أجساد النساء. الرجال المتهمون بالخيانة حوكِموا، أما النساء فحُمِّلت خيانتهن على رؤوسهن. مرةً أخرى، كان الشعر وسيلةً سريعة ومرئية لإعادة تأديب الجسد الأنثوي، وتحميله شرف الأمة وفضيحتها في آنٍ واحد.
الضفيرة الكردية في مواجهة داعش
أما اليوم، فأكثر هذه الرموز حدّةً، وأكثرها إرباكًا للسلطة، هي الضفيرة الكردية. منذ مواجهة المقاتلات الكرديات لتنظيم داعش، لم تعد الضفيرة مجرد علامة أنثوية أو تقليد ثقافي، بل صارت ندّاً للّحية الداعشية التي ارتُكبت في ظلّها جرائم لا تُحصى في حق النساء.
في ظلّ محاولات تقويض الحضور النسائي وإخفائه تحت حجاب الطاعة والإذعان، صارت الضفيرة الكردية تعبيرًا عن قوة خالصة: قوة مدججة بالسلاح والشجاعة، وقادرة على القتل والموت. قوة لا يُفترض بالنساء امتلاكها، وإلا انهار منطق الأشياء. فإن لم تكن القوة حكرًا على الرجال، ماذا يبقى لهم ليقدّموه؟ ليست الشجاعة حتماً، كما تبيّن من ردّ فعل المقاتل السوري الذي قطع الضفيرة، قبل أيام، نصرةً للدين والدولة والذكورة، واستعرضها أمام العالم أجمع من دون أن يملك جرأة الاعتراف بما اقترفه أو القدرة على تبريره.
ليست الشجاعة حتمًا كما يظهر من ردّ فعل الرجل الذي قطع ضفيرتها نصرةً للدين والدولة والذكورة، واستعرضها أمام العالم دون أن يملك جرأة الاعتراف بما اقترفه أو القدرة على تبريره. مثل جان دارك التي أحرجت قوتها، الكنيسة والدولة معًا، فإن نساء إيران وكردستان اليوم يُحرجن السلطة الذكورية، ويكشفن هشاشتها. السلطة التي تواجه خصلات الشعر بالرشاشات وشرطة الأخلاق. فالنظام الذي يحتاج إلى ضفيرةٍ مقطوعة، أو خصلةٍ محجوبة، أو رأسٍ حليقة، كي يثبت رجولته وقدسيته، هو نظام يعرف في قرارة نفسه أن قوته أوهن من شَعرة.
