يشهد الفضاء الرقمي العربي في السنوات الأخيرة انتشاراً واسعاً لمئات الكتب العربية والعالمية المترجمة بصيغ إلكترونية مقرصنة، متاحة مجاناً عبر تطبيقات مثل "تيلغرام" ومواقع إلكترونية وصفحات في مواقع التواصل الاجتماعي، لكن الانتشار، الذي يقدم غالباً تحت شعار "نشر الثقافة للجميع"، يطرح أسئلة جدية حول حقوق الملكية الفكرية، وحول الكلفة الاقتصادية والأخلاقية التي يدفعها الكاتب والمترجم والناشر في مقابل الكرم الرقمي.
والسؤال الأكثر أهمية ربما، يتعلق بالقارئ نفسه الذي تلاحقه أصابع الاتهام للجوئه إلى خيار أسهل وأقل كلفة اقتصادية، مع تكرار أسئلة أخلاقية عموماً تجاهه ضمن سيستم اقتصادي وقانوني وثقافي مليء بالثغرات والمشاكل، من بينها: "هل يتجنب القارئ سرقة كتاب من المكتبة، لكنه لا يتردد في تحميله من الإنترنت؟ وأين تقف حرية الوصول إلى المعرفة عندما تتحول إلى انتهاك منظم لحقوق أصحاب العمل الثقافي؟"، علماً أن القوانين الأوروبية ترى في فعل القرصنة جريمة، وليس استخدام المواد المقرصنة التي ينظر إليها كخيار شخصي طالما أنه متوافر في "السوق".
وقال الشاعر والأستاذ الجامعي محمد ناصر الدين عن تجربته مع القرصنة الإلكترونية: "حققت كتاباً عن محمد كرد علي وترجمت رواية لمرسيا إلياد بعنوان المأدبة السنوية لأخوية حفاري القبور بالإضافة إلى رواية حدادون وخيميائيون للكاتب نفسه، ووجدت الكتب الثلاثة منشورة بصيغة PDFفي تيلغرام، ما يشير إلى وجود قرصنة قوية للكتب المترجمة والمكتوبة بلا احترام لحقوق المؤلف أو المترجم، خصوصاً في العالم العربي".
ويخل هذا النوع من النشر بـ"اتفاقية بيرن لحماية المصنفات الأدبية والفنية"، وهي اتفاقية دولية أبرمت العام 1886 لحماية حقوق المؤلفين على المستوى الدولي، وتنص على حفظ حقوق منتجي الأعمال الأدبية والفنية في جميع الدول المنضمة إليها من دون الحاجة إلى تسجيل العمل في كل دولة على حدة. انضم لبنان إلى هذه الاتفاقية العام 2007، ما أدخل تشريعات مهمة لحماية الأعمال الفكرية إلى القانون اللبناني.
في هذا السياق، شرح الخبير القانوني في وزارة الاقتصاد الدكتور وسام العميل أن "قوانين الملكية الفكرية تحمي جميع الأعمال الفنية والفكرية حتى من دون تسجيل، لكن التسجيل مهم للإثبات. نطلب من صاحب الكتاب أو وكيله ثلاث نسخ من الكتاب، تحتفظ الوزارة بنسختين والكاتب بنسخة مختومة. هذه العملية تحمي حقوق الكاتب والناشر والمترجم، إضافة إلى حقوق مصمم الغلاف والمدقق اللغوي إن وجد".
وأكد العميل أن الكتاب ليس ملكية الكاتب وحده، بل هو نتاج سلسلة من الجهود الإبداعية والفنية تشمل عمل المترجم والمصمم والناشر والمدقق اللغوي، إن وجدوا، وأن تحميل أي كتاب مقرصن يعني خرق حقوق جميع المشاركين في إنتاجه.
وإلى جانب خرق القوانين، يحمل انتشار الكتب المقرصنة طابعاً اقتصادياً مدمراً لسوق النشر، حيث يتسبب بخسائر مباشرة لدور النشر والكتاب، ويحد من المبيعات والعائدات، ما يجعل مشروع الكتابة والنشر أقل جدوى. ويشكل ذلك عبئاً إضافياً على الكتاب الذين يضطرون لدفع تكلفة طبع ونشر كتبهم، مع الإشارة إلى أن الكتابة كمهنة تبقى متأخرة في العالم العربي، وتشهد أصلاً تراجعاً على المستوى العالمي، كما أن معظم الكتاب العرب لا يمتلك وكلاء، ومعظمهم يمارس الكتابة كعمل جانبي بينما يعتمدون على مصدر دخل أساسي آخر يعتاشون منه"، بحسب ناصر الدين.
في المقابل، تستخدم حجة إتاحة الثقافة لمن لا يملك ثمنها كتبرير أخلاقي لنشر الكتب مجاناً، لكن ناصر الدين يرفض هذا المنطق، مؤكداً أن ذلك "لا يبرر الاعتداء على الحق القانوني للكاتب، فلا يمكن التشجيع على الثقافة بتدمير من ينتجها".
ولا يقتصر الضرر على الكاتب وحده، بل يمتد إلى دور النشر التي تخسر زبائن اعتادوا الحصول على الكتب مجاناً، ما يعكس تراجعاً في قدرتها على الاستثمار في مشاريع جديدة. وقال مدير "دار الرافدين" محمد هادي أن "كلفة نشر الكتاب ليست فقط كلفة الورق والحبر والطبع، بل إن نحو 60% من الكلفة تصرف على الترجمة ودفع حقوق الكاتب والتصميم".
وأمام تصاعد كلفة الطباعة ووجوب دفع جميع الفنيين المشتركين حقوقهم، تبقى كلفة التسجيل في وزارة الاقتصاد مقبولة. وشدد العميل على أن رسوم تسجيل الأعمال الفكرية والأدبية لا تتخطى 200 دولار أميركي وتشمل الطوابع والإيداع والنشر لإعطاء فرصة للطلاب والشباب الذين يريدون تسجيل أعمالهم من دون أن تكون التكلفة عائقاً.
وإلى جانب القرصنة الإلكترونية، تنتشر ظاهرة طبع الكتب في مراكز طباعة غير مرخصة وبيعها بأسعار رمزية عبر صفحات في مواقع التواصل الاجتماعي، غالبا ًمن دون وجود عناوين أو أسماء واضحة يمكن ملاحقتها قانونياً.
وأوضح العميل أن الوزارة "تغلق المكاتب التي تطبع الكتب المنسوخة بناء على شكاوى أصحاب العلاقة، لكن فيما يخص الكتب الإلكترونية لا نملك القدرة التقنية لملاحقة المصادر، لذلك نلجأ إلى مكتب مكافحة الجرائم الإلكترونية لتقديم شكاوى إلى النيابة العامة"، ورغم ذلك يبقى الفضاء الرقمي يبقى أوسع بكثير من صلاحيات القضاء المحلي، كمما أن السيادة الرقمية اللبنانية لا تتخطى حدود البلد رغم أنها تتأثر بالمستخدمين والمقرصنين من جميع دول العالم.
ولا تقتصر المخالفات على حقوق أصحاب الكتب، بل تمتد إلى حقوق المشترين أنفسهم. وروت نور تجربتها مع إحدى هذه الصفحات: "طلبت ستة كتب وأرسلوا إلي طلباً خاطئاً، وحاولت التواصل معهم لتصحيح الخطأ ولم يردوا علي". ورأى هادي أن بعض دور النشر نجحت أحياناً في إجبار حسابات على سحب كتب مقرصنة بعد تهديدات قانونية، كما أشار ناصر الدين إلى حالات مشابهة، لكن هذه التجارب تبقى فردية ولا تشكل حلاً جذرياً للمشكلة.
وفي ظل محدودية إمكانات الملاحقة القانونية، أكد العميل على أهمية أن يبادر أصحاب الحقوق إلى تحريك دعاوى ومتابعتها لأن الوزارة لا تستطيع فعل ذلك رغم الصلاحيات الاستثنائية المعطاة لرئيس مكتب الملكية الفكرية بالتحرك عفواً. لكن يبقى التعويل الأكبر، وفق العاملين في هذا القطاع، على وعي القارئ نفسه.
