تحولت فواتير الكهرباء الصادرة في دورة كانون الثاني/يناير 2026، إلى حدث معيشي يومي في سوريا، بعدما فوجئ كثيرون بأرقام وصفوها بالصادمة، وأعادوا ربطها مباشرة بقدرتهم على الاستمرار في دفع خدمة متقطعة أصلاً، فيما أخذ النقاش طابعاً سياسياً واجتماعياً بين مناشدات بتخفيض الأسعار واتهامات للحكومة بأنها تنقل عبء العجز إلى جيب المواطن.
"لن ندفع"، من منشورات الغضب إلى دعوات احتجاج
وانتشرت في مواقع التواصل منشورات تحت عنوان "لن ندفع"، كصيغة ضغط رمزية تقول إن الفواتير تجاوزت حدود الاحتمال وأ، الامتناع عن الدفع بات فكرة متداولة كخيار اضطراري لدى فئات ترى أن دخلها لا يتحمل أي زيادة جديدة.
بالتوازي، تداول ناشطون دعوات إلى وقفة أو اعتصام سلمي "مرخص" للاحتجاج على فواتير الكهرباء وغلاء الأسعار، كما انتشرت مقاطع فيديو لأشخاص يعلنون صراحة أنهم لن يسددوا الفواتير، مقابل دعوات أخرى تطالب الجهات المعنية بالتدخل العاجل لتخفيض التعرف، أو على الأقل إعادة النظر بطريقة الاحتساب أو توسيع هامش الدعم.
وظهرت خلال الأشهر الماضية وقفات احتجاجية متفرقة في بعض المناطق على خلفية القرار نفسه، مع شعارات تربط بين الفاتورة ومستوى الأجور، وتصف الكهرباء بأنها "حق أساسي" لا سلعة كمالية، في مؤشر على أن ملف التعرفة لم يعد تفصيلا تقنيا بقدر ما صار عنوانا للاحتقان الاجتماعي.
ماذا تقول الحكومة؟
والقرارات الحكومية الخاصة بالتعرفة الجديدة تقوم على فكرة "الشرائح"، وعلى أن تقسيم الاستهلاك يفترض أن يحمي الأسر محدودة الدخل عبر شريحة أولى مدعومة.. وتبدأ من 1 حتى 300 كيلو واط ساعي، باعتبارها تناسب "عائلة متوسطة"، وفق ما ورد في التغطيات الرسمية وشبه الرسمية.
وقالت "مؤسسة الكهرباء" في بيان نشرته وكالة "سانا" بتاريخ 31 كانون الأول/ديسمبر 2025 إن الاستهلاك التقديري للأسر غير المزودة بعدادات حدد بـ400 كيلو واط ساعي، ويحتسب للمشتركين غير المعفيين من التقنين عبر شريحتين، أول 300 كيلو واط بسعر 600 ليرة لكل كيلو واط، ثم 100 كيلو واط بسعر 1400 ليرة، بينما يحتسب للمشتركين المعفيين من التقنين بسعر 1700 ليرة لكل كيلو واط عن كامل الكمية.
لكن هذا المنطق الحكومي لم يمر بهدوء، خصوصاً عندما جرى تداوله بصيغة اجتماعية توحي بأن "العائلة الفقيرة" تقع تلقائيا في الشريحة الأولى لأنها لا تملك مكيفاً أو "أدوات رفاهية"، وهو تبرير تعرض لسخرية واسعة على مواقع التواصل لأن كثيرين يعتبرون أن الاستهلاك لا يرتبط بالترف فقط بل بالحاجة وبعدد أفراد الأسرة وبانقطاعات التغذية وغياب العدادات أصلاً وبكون المواطن يدفع مقابل خدمة محدودة الساعات.
فجوة الدخل والكلفة
ويأتي الجدل حول فواتير الكهرباء في لحظة انكماش اقتصادي وارتفاع في أسعار الغذاء والدواء والنقل مقابل رواتب شهرية لا تتناسب ما جعل الكهرباء بنداً يضغط على الحد الأدنى من ميزانيات الأسر، حيث بعض التغطيات الإخبارية نقلت عن مواطنين أن الفواتير تجاوزت قدرتهم، وأن عدم الدفع لم يعد فكرة احتجاجية فقط بل قراراً مفروضا عليهم، بينما قدمت جهات رسمية تفسيرات تتعلق بالدراسات الفنية وبمعدل الاستهلاك الوسطي، وبخطة لتعميم العدادات خلال الأعوام المقبلة، في محاولة لتقديم الزيادة باعتبارها جزءا من إصلاح طويل المدى.
