أكثر ما يثير الغضب في الفيديو الموجع لمقتل الممرض الأميركي أليكس بريتي (37 عاماً) في مدينة مينيابوليس بولاية مينيسوتا الأميركية، برصاص عناصر أمن فيدراليين، هو رد الفعل تجاهه، أو بالتحديد غيابه لدى فئة واسعة من الأميركيين، غير المكترثين، أو ربما المؤيدين لهذا النوع من القتل الذي يرقى، بصرياً على الأقل، إلى الإعدام الفوري.
ورغم المقاطع الكثيرة المنتشرة لحادثة القتل الثانية من نوعها بحق مواطنين أميركيين على أيدي رجال أمن أميركيين في مينيابوليس، خلال ثلاثة أسابيع، بعد قتل المواطنة رينيه غود في 7 تشرين الثاني/يناير الجاري، إلا أن الحادثة لم تحرك أحاسيس الفئة الأكبر من الأميركيين الذين صوتوا لترامب ودعموه، ومازالوا يشكلون الكتلة الأكبر وراءه فيما يعرف بحركة "ماغا" التي ترمز اختصاراً لشعار ترامب "لنجعل أميركا عظيمة مجدداً" وهو شعار عنصري يحمل في طياته نزعة تفوق العرق الأبيض، لأنه يقوم منذ العام 2016 عندما أطلق ترامب حملته الانتخابية التي أوصلته للبيت الأبيض أول مرة، على فكرة أن هناك من "يسمم الدم الأميركي"، مع إطلاق تلك الاتهامات ليس فقط إلى المهاجرين، بل إلى المواطنين الأميركيين أنفسهم ممن يختلفون عن المواطن "المثالي".
والحال أن مشاهدة الفيديو صعبة ليس فقط بسبب ما يظهره، بل لأنه يفترض أن من يشاهده يعرف مسبقاً كيف يجب أن يشاهد مثل هذه الصور التي تبدو أقرب إلى فيلم تاريخي عن النازية وليس عن حدث في واحدة من أكبر الديموقراطيات المعاصرة، والأسوأ منه هو السكون الذي يأتي إثر المشاهدة، ليس بسبب حضور الموت الفجائي والقسري، كطيف ثقيل، بل لأن النقاش العام وإعادة تأطيره وتشريحه، لم تحدث أثراً لدى شريحة كبيرة من الأميركيين المنقسمين على أنفسهم أكثر من أي وقت مضى، ولم يخلف أكثر من السكون وكأنه لم يكن.
كان هناك وقت، ليس بعيداً جداً، حين كانت عبارة "هذا سيغير كل شيء" تحمل معنى معيناً، ولو كان حالماً أو رومانسياً. كان بإمكان صورة واحدة أن تظهر وتجبر أمة على مواجهة نفسها. جريمة قتل جورج فلويد، المصورة بتفاصيل بطيئة ومؤلمة، خلقت لفترة وجيزة هذا الوهم: ملايين شاهدوا وتظاهروا وكرروا لغة المحاسبة. ورغم ذلك، لم تتغير آلة السلطة الأميركية جذرياً، حيث بقيت مؤسسات الشرطة إلى حد كبير كما هي. وبقي هيكل الهرمية العرقية والاجتماعية قائماً، وتبخرت وعود التحول في ضباب مألوف من اللجان، والبيانات، والإيماءات الرمزية، وجاء دونالد ترامب بكامل عنصريته ليقول ضمنياً أن حركة "بلاك لايفز ماتر" هي واحدة من الشرور التي تهدف إلى تخريب الذاكرة الأميركية الحقيقية، وليقول ان من يطالب بالمساواة العرقية والجندرية والجنسية، هو جزء من "اليسار المتطرف" و"ثقافة الووك" التي تشير لليقظة التي تطالب بالمساواة والحقوق للجميع.
الآن، بعد سنوات، يدور فيديو آخر قتل فيه شخص آخر، لكن مجموعة من التفسيرات الرسمية الكاذبة تظهر لتبدأ دورة جديدة من ردود الأفعال نفسها. الرقصة محفوظة ومملة إلى درجة أنها بالكاد تحتاج إلى توجيه، لا من البيت الأبيض ولا من خبراء العلاقات العامة فيه، لأن ما تغير خلال العقد الماضي ليس وجود العنف، فالولايات المتحدة كانت منذ زمن طويل بلداً عنيفاً، بل العلاقة بين العنف والمعنى لأن القتل على يد الدولة لم يعد يصل للناس بوصفه حالة طوارئ أخلاقية، بل بوصفه محتوى يتم تداوله عبر الهواتف الذكية، وتجاوزه نحو تحد آخر سخيف في "تيك توك" أو خلاف عنصري آخر في "إكس".
يمر الناس العاديون غير المنخرطين في السياسة، حسب وصفهم، على الفيديو بالتمرير بين الإعلانات وأخبار المشاهير. يشاهدونه أثناء تناول العشاء. يتجادلون حوله في أقسام التعليقات بالاستثمار العاطفي الذي كان مخصصاً يوماً للفرق الرياضية. قتل إنسان على يد حكومته يصبح نقطة بيانات واحدة ضمن محيط. ويعني ذلك أن تطبيع العنف الرسمي لا يتطلب من الناس أن يهتفوا لصالحه، رغم أن ذلك يحصل اليوم من أنصار ترامب عبر الإنترنت، بل يطلب فقط من الناس ألا يهتموا كثيراً، لأنه لا يحصل معهم مباشرة، إلى أن يعانوا شخصياً من المعاناة نفسها، حتى لو صوتوا لترامب ودعموه، على غرار لبنانيين وكوبيين ومكسيكيين كثيرين تم ترحيلهم من البلاد رغم امتلاكهم إقامات نظامية، ظنوا أنهم بأمان لمجرد تصويتهم لترامب ودعمه علناً.
في الأنظمة السلطوية، لا يعتمد القمع في بداياته على الحماس الجماهيري. بل يعتمد على الإرهاق الجماهيري. على التآكل البطيء لفكرة أن شيئاً أفضل ممكن أن يحدث، ما يحيل إلى القبول الهادئ بأن هذا ببساطة هو شكل العالم ولا فائدة من مقاومته. كان حاضراً لعقود في سوريا الأسد على سبيل المثال، رغم الفارق الكبير والجوهري بين بلد حكمته الدكتاتورية لأكثر من خمسة عقود وبين الولايات المتحدة التي رغم كل مشاكلها تبقى نظاماً ديموقراطياً يحاول ترامب ومن حوله تخريبه وتحويله إلى نموذج سلطوي يرد عليه العاقلون بمظاهرات "لا للملوك" بشكل منتظم.
الولايات المتحدة ليست ديكتاتورية شمولية بعد، مازالت تجري انتخابات، ومازالت المحاكم تصدر أحكاماً يفترض أنها مستقلة، ومازال الصحافيون رغم تصنيفهم من قبل البيت الأبيض على أنهم "عدو الشعب" ينشرون تحقيقات بحرية في الإعلام المستقل. مازال المتظاهرون يتجمعون في الشوارع حتى رغم البرد القارس في مينيسوتا الذي بلغ عشرين درجة مئوية تحت الصفر. لكن ذلك كله لا يناقض حقيقة أن البلد يمر بمرحلة تفكك ديموقراطي غير مسبوق هناك، علماً أن التاريخ يقدم أمثلة كثيرة لمجتمعات حافظت على الطقوس الديموقراطية حتى بعدما باتت فارغة من مضمونها.
ويعني ذلك أن السلطوية نادراً ما تعلن عن نفسها بصدق، بل تأتي متنكرة في هيئة حاجة ضرورية أو في هيئة طوارئ لا تنتهي بعدها أبداً. تبدأ السلطوية بـ"منطق سليم" حسب رأي أصحابه لتبرير وجودهم القاسي: "نحن بحاجة إلى النظام. نحن بحاجة إلى القوة. نحن بحاجة إلى أن نكون قساة". هذه العبارات تبدو معقولة، لكن خلفها يكمن اقتراح أكثر وحشية: بعض الأرواح أقل قيمة من غيرها، والتصنيف يأتي من طرف السلطة بشكل متغير حسب تغير الأولويات.
فيديو مينيسوتا يكشف هذا الاقتراح بوضوح. الغريزة الأولى لدى كثير من المشاهدين لم تكن السؤال لماذا استخدمت القوة المميتة، بل السؤال عما إذا كانت الضحية تستحق ذلك. هل كان القتيل يحمل سلاحاً؟ هل امتثل بسرعة كافية؟ هل تصرف بالطريقة الصحيحة؟ هل بدا مريباً؟ لم تعترف السلطات رغم كل الأدلة والشواهد والفيديو بأن الرجل كان أعزل، تحقيق صحيفة "نيويورك تايمز" المستقل أجاب بوضوح أنه كان يحمل محفظة، لا مسدساً.
وحتى لو كان بريتي يحمل مسدساً لم يستخدمه ولم يرفعه عندما حاول مساعدة امرأة في الشارع من عنف القوات الفيدرالية التي كشفت تقارير صحافية ومنظمات حقوقية خلال السنوات الماضية عن تسلل عناصر من اليمين المتطرف وبعض النازيين الجدد إلى صفوفها، وهم شخصيات تم التعرف عليهم منذ سنوات ويأتون من مناطق مختلفة في الولايات المتحدة للمشاركة في هذه الغزوات، فإن السلطة نفسها كانت تدافع منذ سنوات عن حق الأميركيين في حمل السلاح، رغم كل مآسي إطلاق النار الجماعي التي تحصل لعدم وجود قوانين تنظم امتلاك الأسلحة التي يفترض أن تتوجه نحو العدو، من "المهاجرين المغتصبين وآكلي القطط والكلاب الأليفة"، حسب تعريف ترامب نفسه. واليوم يصبح مواطن أميركي حامل للسلاح مجرماً لمجرد حمله السلاح من دون استخدامه. هنا يكمن التناقض الذي يشير للسلطوية.
نظرياً، تتعامل الثقافة السياسية الأميركية مع الحقوق الدستورية بوصفها شاملة للجميع، لكن عملياً، تعمل الحقوق كامتيازات موزعة وفق خطوط عرقية واجتماعية وأيديولوجية. امتلاك السلاح يحتفى به كمبدأ دستوري مقدس إلى أن يكون الشخص الذي قتل على يد الدولة غير مريح. عندها يصبح المبدأ نفسه بلا أهمية. وهذا التناقض ليس عرضياً بل صفة بنيوية تحدد معنى الحياة في الولايات المتحدة. وفي المجتمعات التي تنزلق نحو السلطوية، يتوقف القانون عن العمل كدرع ويصبح آلية فرز ليحدد من ينتمي ومن لا ينتمي، من هو محمي ومن هو مكشوف.
بالطبع، لم يخترع ترامب هذا المنطق، لكنه صقله وضخمه: يتحدث المليونير القادم من عالم العقارات وتلفزيون الواقع، بلغة الإقصاء والهرمية بفظاظة كان سياسيون سابقون يتجنبونها غالباً. يمدح الرجال الأقوياء. يسخر من القيود الديموقراطية. يغازل علناً فكرة الحكم كديكتاتور. يصور المهاجرين كغزاة. يعامل الصحافيين كأعداء. ويقدم نفسه بوصفه التجسيد الوحيد للأمة المتماسكة.
لا شيء من هذا مخفياً، ورغم ذلك، صوت له عشرات الملايين من الأميركيين، ليس مرة واحدة بل ثلاث مرات، وصل بها إلى البيت الأبيض مرتين. الفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر أصر على الإنسان محكوم بخياراته، لا نواياه ولا أعذاره ولا ندمه المتأخر. والمجتمع الذي يختار مراراً قادة سلطويين لا يمكنه التظاهر بالدهشة عندما تتبع ذلك نتائج سلطوية.
كثير من أنصار ترامب لا يرغبون بالضرورة في وحشية صريحة. لكنهم قبلوا بمشروع سياسي تكون فيه الوحشية أداة مقبولة، لأسباب عنصرية بالدرجة الأولى، كانت كامنة لعقود وتكشفت عندما بات هنالك متنفس سياسي لها للبروز. هذه حقيقة غير مريحة، لكنها لا مفر منها. الترامبية ليست ظاهرة هامشية فرضت على مجتمع غير راغب، بل حركة سياسية جماهيرية متجذرة في تيارات عميقة من الاستياء والخوف والحنين لمجتمع كانت فيه العنصرية مسيطرة من دون مواجهة، مع الإشارة إلى أن ذلك العالم القديم المشتهى هو عالم ذكوري متطرف لا يقبل بالمختلف على صعيد اللون والجندر والتحرر الديني والتوجهات الجنسية وغيرها.
والمسؤولية السياسية لا تنتهي عند النية. بل تمتد إلى العواقب، فاليمين المتطرف المعاصر غالباً ما يرفض المقارنات مع فاشية القرن العشرين بالإشارة إلى اختلافات سطحية. لا توجد صلبان معقوفة في المباني الرسمية (على الأقل رسمياً لأن أنصار السلطة يتجولون في مسيرات نازية ضمن الشوارع منذ سنوات)، لا يوجد حزب واحد يحتكر السلطة، لا يوجد إلغاء رسمي للانتخابات. لكن هذا الطرح يسيء فهم كيفية تكيف الفاشية التي لا يمكن تعريفها بالتفاصيل الجمالية، بل تعرف بالبنية: اندماج السلطة السلطوية مع أسطورة الولادة القومية الجديدة، تقسيم المجتمع إلى طاهر ونجس، ورفع العنف من كونه ضرورة مؤسفة إلى كونه خيراً أخلاقياً.
وكان ترامب يقدم الخطاب النازي منذ حملته الانتخابية الثالثة، بشكل صريح، وكذلك فريق حملته الانتخابية وعدد من أكبر داعميه مثل رجل الأعمال أيلون ماسك الذي بات يتفاخر بأداء التحية النازية علناً. والمروع أن عشرات الأميركيين ممن صوتوا لترامب في 2016 و2020 و2024 يرون فيه القائد المخلص لأميركا من "شرور التعددية" وإعادتها إلى مجدها السابق. ولم يكن غريباً بالتالي أن يعين ترامب مثلاً العام 2023، الناشطة المسيحية المتطرفة لورا لومر، ضمن فريق حملته الانتخابية، هي التي قالت بصراحة أنها مؤمنة بتفوق العرق الأبيض، وأن الولايات المتحدة بنيت كبلد "عرقي مسيحي يهودي أبيض بشكل أساسي، لكن بمرور الوقت، والهجرة وكل هذه الدعوات للتنوع، بدأ تدمير هذا البلد"، في مثال آخر على معنى "المواطن المثالي" المتخيل.
وانتشرت في مواقع التواصل مقاربات من كافة أنحاء العالم، ومن المعارضين الأميركيين لترامب، يقارنون بينه وبين أدولف هتلر، الفارق الوحيد ربما هو أن العالم المعاصر يمتلك قدرات تقنية تحذر من ذلك الماضي وتبعاته. والتحذيرات واضحة ليس فقط في عهد ترامب، بل منذ عقود سبقته، لأن جذور السيستم الأميركي قامت على عنصرية بنيوية وهو ما جادل بشأنه كتاب وصحافيون وفلاسفة، كما حضر في الفنون من الأفلام السينمائية إلى موسيقى البوب.
في أحد أشهر أغانيه مثلاً "They don’t really care about us" صرخ مايكل جاكسون في وجه عنف الشرطة، أما مادونا ففي أشهر أغنياتها "Like a Prayer" قدمت نقداً للعنف نفسه خصوصاً في فيديو الأغنية العام 1989، لكنها أتبعت ذلك بألبوم كامل عن زيف الحياة الأميركية "American Life" العام 2003، قدمت فيه تشريحاً لمعنى أن يكون المرء أميركياً، وصرخت بأنها ضد الحرب ومنطق القوة الأميركي: أريد أن أعبر عن وجهة نظري. أنا لست مسيحية ولا يهودية. أنا فقط أعيش الحلم الأميركي، وأدركت للتو أنا لا شيء منه حقيقي". والألبوم حينها أوصلها لأن تصبح "عدوة للشعب" ومنعت أغنياتها من البث على الإذاعات ومنع فيديو أغنية "أميركان لايف" من العرض، لكنها لم تتوقف بل استمرت حتى اليوم في تقديم الموسيقى التي تدمج البوب بالسياسة إلى حد يمكن اعتبار ألبومها "مدام إكس" العام 2019 مانيفستو سياسياً ضد الترامبية نفسها.
لا يبالي ترامب وأنصاره اليوم بذلك كله، لأنهم صنفوا هوليوود والفن الأميركي في معظمه على أنه "جزء من اليسار المتطرف". لا يهم أن تصرخ شارون ستون أو تتظاهر جاين فوندا في الشوارع، لأن ترامب المخلص وعد بتحرير السينما منهم قريباً، إلى جانب حقيقة أن الفاشية الحديثة لا تحتاج إلى استعراضات للقوة تجاه المنتقدين من هذا النوع، بل تزدهر في البيئات الرقمية، في ثقافة الميمات، في المسافة الساخرة، حيث تتم شيطنة المنتقدين، تحديداً الشخصيات العامة، ونزع الإنسانية عنهم، كما الضحايا.
في تلك المساحة الحاضرة اليوم في "إكس" الذي يملكه ماسك وحوله إلى منتدى يجمع النازيين الجدد والمتطرفين وأصحاب نظريات المؤامرة، الذين كانوا يقبعون في زوايا الإنترنت المظلمة مثل منتديات "فور تشان" و"إيت تشان"، تلف القسوة بروح الدعابة. تحول نزع الإنسانية إلى ترفيه. تطمس الحدود بين الجدية والأداء إلى درجة يصبح معها تحقيق المساءلة مستحيلاً. وعندما يمزح أشخاص نافذون بشأن كونهم ديكتاتوريين، فهم لا يستفزون فقط. إنهم يختبرون حدود المجتمع. كل نكتة لا تواجه بتحد توسع مجال ما يمكن قوله بجدية لاحقاً.
وتآكل حرية الصحافة يشكل ركيزة مركزية في هذه العملية. الحركات السلطوية تفهم أن التحكم بالسردية لا يقل أهمية عن التحكم بالأرض. إذا أمكن تشويه الصحافيين بوصفهم كاذبين، فيمكن رفض أي حقيقة غير مريحة بوصفها دعاية. وإذا أصبحت الحقيقة ذاتية، تصبح السلطة مطلقة. وفيما لم تصل الولايات المتحدة بعد إلى نقطة سحقت فيها الصحافة المستقلة بالكامل، فإنها وصلت إلى نقطة يتعامل فيها قطاع واسع من السكان مع المعلومات القابلة للتحقق بوصفها اختيارية. هذا ليس مصادفة بل نتيجة سنوات من الهجمات المتعمدة على مفهوم الواقع المشترك.
والاحتجاجات في مينيسوتا اليوم مهمة لأنها تظهر أن المقاومة الأخلاقية مازالت موجودة، وأن الناس مستعدون للوقوف في درجات حرارة متجمدة وإعلان أن هذا القتل غير مقبول وأن حياة الإنسان مازالت ذات قيمة. لكن من المهم أيضاً عدم إضافة طابع رومانسي على هذه المشاهد، لأنها لا تمثل البلد بأكمله بقدر ما توجد جنباً إلى جنب مع لامبالاة واسعة النطاق، وفي بعض الأوساط، مع تأييد علني لعنف الدولة. وهذا التعايش هو بالضبط ما يحدد اللحظات الانتقالية التي يكون المستقبل فيها غير محسوم بعد. وعليه فإن فيديو بريتي، يظهر مجتمعاً يتفاوض باستمرار حول مقدار القتل الذي يقول أنه مستعد للعيش معه.
في هذه الفترات الانتقالية، لا يمكن تعريف الدولة فقط بقوانينها أو بوثائق تأسيسها، بل تحديداً بحدود تعاطفها وبمن يكون ألمه مرئياً ومن يكون غير مرئي، بأي الوفيات تتطلب حداداً وأيها تعامل كإزعاج إداري! وأولئك الذين عاشوا تحت حكم الديكتاتوريات يتعرفون على هذه الأنماط مبكراً. ليس لأن لديهم بصيرة خاصة، بل لأنهم اختبروا كيف يبدو التطبيع من الداخل. يعرفون أن السلطوية لا تبدأ بظلام دامس. بل تبدأ بخفوت الضوء تدريجياً. ومع مرور الوقت، يتكيف الناس. يتعلمون أي المواضيع خطيرة وأي الكلمات تجلب المتاعب. ولعل أكثر الاحتمالات رعباً ليس أن تصبح أميركا فجأة غير قابلة للتعرف، بل أن تصبح بهدوء غير قابلة للتعرف.
