لم أعد أذكر إن كان أهلي قد اشتروا لي لعبة حين كنت صغيرة. الذاكرة هنا ضبابية، لا تُعطي جوابًا واضحًا. ما أتذكّره، وبشيء من اليقين، هو نظرتي الطويلة إلى دمى البنات من حولي. كنت أتأملها بإعجاب صامت، إعجاب يتأرجح بين الرغبة والغيرة، بين القبول بما هو متاح والتعلّق بما ليس لي.
هذا الالتباس الأول، بين الإعجاب والحرمان، بين الرغبة والانتظار، يرافق الدمية منذ لحظة دخولها عالم الصغار. الدمية تظهر كشيء مرغوب، وكعلامة على حضور خاص في حياة الطفلة، حضور يسمح لها بأن تمتلك مساحة صغيرة تخصّها وحدها، حتى لو كانت مساحة متخيّلة.
حين تحمل الطفلة دمية، تنشأ علاقة يومية قائمة على الحوار. الطفلة تتحدث بحرية، تروي، تسأل، تطمئن، وتبتكر صوتًا آخر يرافق صوتها. تستقبل الدمية هذا الكلام بصمت ثابت، وتبقى حاضرة مهما تغيّر المزاج أو تبدّلت المشاعر. هذا الصمت يتحوّل مساحة أمان تسمح للغة بأن تكون مباشرة وغير مفلترة، فاتحة مجالًا لتبادل لا يخضع للمراجعة أو التصحيح. عبر هذا الحوار، تختبر الطفلة أفكارها الأولى عن العالم، عن نفسها، وعن الآخرين. الكلمات التي تُقال للدمية تخرج بلا خوف من التوبيخ أو السخرية، وتُقال كما هي، ناقصة أحيانًا، متناقضة أحيانًا أخرى، لكنها صادقة.
في هذا السياق، تتخذ تسمية الدمية أهمية خاصة. الأبحاث النفسية التي تناولت لعب الأطفال تشير إلى أن إعطاء الدمية اسمًا يشكّل لحظة تأسيسية في العلاقة معها. الاسم يمنح الكائن الصامت حضورًا، ويحوّله من شيء إلى شخصية. طفلات كثيرات يخترن أسماء مأخوذة من محيطهنّ القريب: اسم الأم، الأخت، الصديقة، أو اسماً يحمل وقعًا مألوفًا في البيت. أحيانًا يكون الاسم بسيطًا، وأحيانًا غريبًا أو مبتكرًا، كأن الطفلة تختبر عبره قدرتها على الخلق. الاسم ينظّم الحوار، ويحدّد المسافة بين الطفلة ودمّيتها، ويمنح العلاقة شكلًا واضحًا. فتأتي تسمية الطفلة لدميتها كتمرين على بناء رابطة تقوم على القرب والاعتراف.
يبقى السؤال: هل الدمية لعبة طبقية؟ التجربة تشير إلى أن الدمية توحّد أكثر مما تفرّق. "باربي"، بملامحها المصقولة، وملابسها الجاهزة، وسرديتها الاستهلاكية، تنتمي بوضوح إلى عالم الطبقتين الوسطى والعليا. هي دمية مكتملة، تحمل قصة جاهزة، وتدعـو الطفلة إلى الدخول في عالم مرسوم مسبقًا. في المقابل، تظهر الدمية في بيوت الفقراء بأشكال أخرى: دمية رخيصة مما يُصنع في الصين، دب صغير سمين تعلو وجهه النايلوني ابتسامة لطيفة... قطعة قماش ملفوفة، وسادة صغيرة، جورب محشو، أو بنّوتة خاطتها الأم أو الجدّة من بقايا القماش.
في هذه البيوت، تنشأ الدمية من الذاكرة ومن الجسد اليومي للبيت. تحمل أحيانًا رائحة المكان، أو ملمس اليد التي صنعتها. الحوار معها يتشكّل من القرب، من التكرار، من الحميمية البسيطة. التجربة النفسية هنا تحمل كثافة خاصة، لأن الدمية غير المكتملة تفتح مساحة أوسع للخيال. الطفلة تبني شكل الدمية، صوتها، وقصتها، وتعيد تشكيلها في كل مرة. الوظيفة النفسية تبقى واحدة: كائن صامت يُسقَط عليه الخوف والرغبة والارتباك.
لسنوات طويلة، قُدّمت الدمية بوصفها تدريبًا مبكرًا على الأمومة. هذا التفسير يكشف جانبًا من التجربة، لكنه يُغفل جوانب أخرى أكثر تعقيدًا. عبر الدمية، تختبر الطفلة علاقة غير متكافئة تقوم على العناية، والسيطرة، والقرب المستمر. الأمان الذي توفّره هذه العلاقة يسمح للغة بأن تكون أصدق، وللمشاعر بأن تظهر من دون تزيين. في هذا الفضاء، تتعلّم الطفلة كيف تمسك العلاقة بيدها، وكيف تحافظ عليها، وكيف تنسحب منها حين تشاء.
لكن هذا الحوار لا يتكوّن بمعزل عن المحيط. شكل الدمية، لونها، قصتها، والصفات المنسوبة إليها، تدخل جميعها في تشكيل ما يُقال وما يُتخيّل. الدمى التي تُقدَّم كفتيات جميلات، أو كأمهات دائمات العناية، ترسم إطارًا للخيال، وتؤثر في نوع اللغة المستخدمة. الطفلة تعيد تدوير ما يُعرض عليها، وتضيف إليه من تجربتها الخاصة، فتتشكّل علاقة تجمع بين ما هو معروض وما هو مُخترَع.
الدراسات النفسية حول اللعب الرمزي تشير إلى أن الطفل، حين لا يجد كائنًا صامتًا جاهزًا، يصنع بديله. الأولاد غالبًا يتكلمون مع أشياء متحركة أو قابلة للتحكّم: سيارة، كرة، عصا، مجسّم صغير، أو حتى بطل خيالي. الحوار هنا لا يختفي، لكنه يتغيّر في شكله ووظيفته. بدلاً من العناية والاحتواء، يميل الحوار إلى الحركة، السيطرة، الاختبار، والانتصار.
كثير من الأولاد يجرون حوارات داخلية مع شخصيات متخيّلة: بطل خارق، خصم، أو نسخة أقوى من أنفسهم. هذا النوع من الحوار يُلاحظ خصوصًا في الألعاب التي تقوم على الصراع أو المغامرة. الطفل لا يقول "كيف حالك؟"، بقدر ما يقول "ماذا سأفعل الآن؟" أو "من سيربح؟". اللغة هنا أقل اعترافًا، وأكثر توجيهًا للفعل. لكنها تظل مساحة لتفريغ التوتر، والخوف، والرغبة في السيطرة على عالم غير مفهوم.
دمية ثابتة أو بطل متخيل في رأس صغير، الأهم هو تعلّم التعبير عن النفس، الأفكار، الاحتياجات، المشاعر... كي تُفهم الذوات لاحقاً.
