ملف حسن عليق: تضامن لا يتخطى الصلاحيات

راغب مليالجمعة 2026/01/23
Image-1769198310
حسن عليق المعروف كصحافي بقربه من "حزب الله" (سوشيال ميديا)
حجم الخط
مشاركة عبر

فرض استدعاء الصحافي حسن عليق للتحقيق معه، موجة اعتراض واسعة لم تقتصر على وسائل التواصل الاجتماعي، بل شملت جمعيات حقوقية، وصولاً إلى "حزب الله" الذي نظّم لقاء تضامنياً، تلا بياناً من محامي الحزب، وحصر الملف بقضية "مثول الصحافي أمام محكمة المطبوعات".

 

وأعادت القضية طرح أسئلة أساسية تتصل بحرية التعبير في لبنان، وحرية العمل الصحافي، وحدود صلاحيات الأجهزة الأمنية، والمرجعيات القضائية المختصة بالنظر في قضايا النشر والعمل الإعلامي، لا سيما بعد الإعلان أن سبب الاستدعاء يعود إلى فيديو نشره عليق تضمّن تحليلًا سياسيًا لخطاب رئيس الجمهورية جوزاف عون أمام السلك الدبلوماسي.

 

حملات تضامن

هذا التطور دفع اتحاد الصحافيين والصحافيات في لبنان، لتأكيد عدم جواز ملاحقة الصحافيين بسبب مضمون عملهم الصحافي إلا أمام محكمة المطبوعات حصراً، عملاً بالقوانين المرعية الإجراء، مشددًا على أن الضابطة العدلية، بما فيها النيابات العامة، لا تملك صلاحية التحقيق مع الصحافيين في قضايا تتصل مباشرة بالنشر الإعلامي.

الموقف نفسه كانت قد عبرت عنه نقابة محرري الصحافة اللبنانية في بيانها، إذ ذكّرت بأن قانون المطبوعات المعدّل عام 1994 حصر مساءلة الصحافيين بمحكمة المطبوعات، بموجب المادتين 28 و29، وأن هذا المسار شكّل، منذ إقرار التعديل، المرجعية الوحيدة في كل الدعاوى المتصلة بمخالفات النشر أو إبداء الرأي. وفي الوقت عينه، دعت النقابة الصحافيين إلى ترشيد الخطاب الإعلامي، ولا سيما في الظروف الدقيقة التي يمر بها لبنان، مع التشديد على التمسك بحرية الرأي والتعبير.

مثول الصحافيين أمام الضابطة العدلية

وبمعزل عن الخلافات السياسية مع عليق، ينطلق التضامن من فكرة مثول الصحافي أمام الضابطة العدلية، كونها ليست المرجع الصالح للتحقيق مع الصحافيين. وشدّدت الباحثة في مؤسسة "سكايز" الصحافية وداد جربوع، في حديثها لـ"المدن"، على أن القوانين اللبنانية واضحة لجهة المرجعية المختصة في النظر في قضايا النشر والعمل الصحافي، مؤكدة أن أي صحافي يُلاحق على خلفية مضمون عمله يجب أن يُستدعى حصراً للمثول أمام محكمة المطبوعات. ولفتت جربوع إلى أن هذا المبدأ لا يشكّل امتيازًا للصحافيين، بل ضمانة قانونية تهدف إلى حماية حرية التعبير، معتبرة أن احترام هذا الإطار يشكّل شرطًا أساسيًا لتطبيق القانون بشكل سليم، وحماية الحق العام في آن واحد.

 

حملة "حزب الله"

في خط موازٍ، تحرك "حزب الله" حقوقياً أيضاً، إذ أصدر تجمع المحامين في الحزب بيانًا تناول فيه تحرّك مدعي عام التمييز بحق الصحافي حسن عليق، معتبرًا أن ملاحقة صحافي بسبب تعبيره عن رأيه وتحليله السياسي لخطاب علني، "تثير إشكالية قانونية جدّية تتجاوز شخص المعني، لتطاول معايير تطبيق القوانين وحدود حرية التعبير في لبنان". وأشار المحامون في البيان إلى أن "ما صدر عن عليق يندرج ضمن حرية التعبير المكفولة في الدستور والمواثيق الدولية، ولا يتضمن قدحًا أو ذمًا أو إساءة إلى مقام رئاسة الجمهورية، بل يقتصر على توصيف وتحليل سياسي لوقائع معلنة".

استبعاد علي برو

ومع أن الملف ارتبط أيضاً باستدعاء الناشط علي الرضا برو، إلا أنه كان لافتًا غياب أي ذِكر لهذا الناشط المحسوب على "حزب الله" في بيان محامي الحزب، كما في منشورات وسائل التواصل الاجتماعي، وذلك بالتزامن مع ما تردّد أيضًا عن استدعائه من قبل الأجهزة الأمنية، في إشارة واضحة من الحزب إلى عدم تبنّي برو كصوت إعلامي أو كصحافي، وعدم التعامل معه بالخطاب نفسه.

 

وفي المقابل، لفت البيان إلى غياب أي تحرّك قضائي حيال تصريحات ومواقف سياسية وإعلامية أخرى وُصفت بأنها بالغة الخطورة، وصلت في بعض الحالات إلى منح العدو الإسرائيلي مبررات علنية للاعتداء على اللبنانيين، أو تبرير جرائمه تحت عناوين مختلفة، إضافة إلى مئات التصريحات والمنشورات التي تضمّنت تحريضًا مباشرًا على فئات لبنانية، ودعوات صريحة إلى استهدافها.  وأعلن تجمع المحامين تضامنه مع عليق، مع التأكيد على اتخاذ الإجراءات القانونية المتاحة دفاعًا عن الحريات العامة، واحتفاظه بحق الادعاء والملاحقة القانونية بحق كل من يحرّض العدو الإسرائيلي أو يبرّر اعتداءاته.

 

حق التقاضي

والحال أن الاعتراض لا ينطلق من إنكار حق أي متضرر في اللجوء إلى القضاء، وهو حق ثابت ومكفول قانونًا، وقد مارسته مختلف القوى السياسية والأحزاب والشخصيات العامة، بما فيها حزب الله نفسه، منذ سنوات، عبر تقديم دعاوى ضد أشخاص وجّهوا لهم إساءات أو إهانات.

وعليه، تُطرح قضية حسن عليق من زاوية اعتبار أن كلامه طاول مقام رئاسة الجمهورية، وهو أمر يبقى من حق رئيس الجمهورية أن يتقدم بإخبار بشأنه، إذا اعتبره إساءة لشخصه، أو أن تتحرك النيابة العامة التمييزية وحدها من دون إخبار، وفقاً للصلاحية التي يمنحها إياها القانون. 

 

وكان جمهور حزب الله اعتاد، في محطات سابقة، الذهاب أبعد من المسار القضائي البحت، إذ تعامل مع ما يعتبره تطاولًا لفظيًا على مقامات رمزية بوصفه "خطًا أحمر"، عبر حراكات في الشراع شملت قطع طرق وإشعال إطارات، ردًا على مواقف أو تصريحات اعتُبرت مسيئة.

 

تالياً، لا يُختصر الجدل الدائر اليوم في سؤال "من يحق له الادعاء؟"، بل السؤال هو: "كيف وأين؟". فالقانون رسم بوضوح الإطار الناظم لملاحقة الصحافيين في قضايا النشر، واضعًا محكمة المطبوعات مرجعًا حصريًا. والالتزام بهذا الإطار لا يشكّل حماية لفئة بعينها، بل ضمانة مزدوجة: صون حق التقاضي من جهة، ومنع تحويل الرأي والعمل الثقافي إلى شأن أمني من جهة أخرى، بما يكرّس المحاسبة القانونية من دون المسّ بحرية التعبير.

 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث