أثناء "السكرولينغ" البطيء في إنستغرام، يدعوني التطبيق، بلطفٍ خوارزمي مقنّع، الى التوقف عند منشور مخصّص لي. "هيدا البوست للجيل يلي كان يسمع رجعت الكهربا أكتر من بحبك،" يشرح النص المرفق. تمرّ الفيديوهات تباعًا: دكانة قديمة رفوفها مزدحمة بعلب النيدو وربطات الخبز التي لم يتغيّر تصميمها منذ عقود، كراسٍ بلاستيكية مائلة، وأحاديث لا نسمعها لكننا نعرف نبرتها. ثم فيديو آخر عن "ريحة المكان" وعن الصبحيات التي قضيناها في بيت "التيتا".. صوت فيروز يرافق يداً تعجن الخبز المرقوق وأخرى تسكب القهوة في فنجان "الشفّة"...
يعيد الفضاء الرقمي تدوير هذه الصور آلاف المرات. يعبّئ الذكريات الشخصية في قوالب جاهزة، مرفقة بموسيقى تصويرية وبنص إرشادي يحدّد لنا بالضبط كيف نشعر. فنحن اليوم لا نحتاج الى التذكر وحدنا.. الذاكرة الرقمية تتكفّل بالمهمة. كل ما علينا فعله هو التوقّف قليلًا، ثم المتابعة.
النوستالجيا داء عضال
اعتبرت الكاتبة والفنانة الروسية سفيتلانا بويم أن "النوستالجيا هي داء العصر". ففي حين بدأ القرن العشرين باليوتيوبيا، فقد انتهى بالنوستالجيا، كما تشرح الكاتبة التي عاصرت الاتحاد السوفياتي وشهدت على انهيار المشاريع السياسية التي وعدت بمستقبل مشرق.
بقي الحنين الى الماضي "على الموضة"، معاصراً أكثر من المستقبل نفسه. استشرفت بويم "مستقبل النوستالجيا" في بداية الألفية، أي قبل بروز العالم الافتراضي بشكله الما بعد حداثي، والذي سوف يتحوّل، بعد أعوام قليلة، إلى سوق مفتوحة لتداول الحنين.
لكن النوستالجيا لم تكن دائمًا ذلك الشعور الثقافي العائم. فقد صنّفت تاريخياً كمرضٍ جسدي، قابل للشفاء، وعلاجه ببساطة هو العودة إلى الديار (مع قليل من الأفيون والعلق). هكذا تعامل الجيش السويسري مع "العدوى". أمّا جنرالات الجيش الروسي، فقد كان لهم رأي آخر، أكثر راديكالية في شفاء العلّة: المصاب بداء الحنين يُدفن حيًا. نُفِّذ هذا العلاج العقابيّ في حالتين أو ثلاث، وكان ذلك كفيلًا بالقضاء على المرض.
لكن، وبينما جلبت الحداثة حلولاً طبية للعديد من الأمراض المستعصية، فقد فعلت العكس بالنسبة للنوستالجيا. فسرعان ما اكتشف الأطباء أن العودة إلى الوطن ليست كافية للشفاء، بل كانت أحيانًا قاتلة. ذهب أحدهم إلى تصنيف النوستالجيا كوسواس قهري يصيب القلب "ويتغذّى على أعراضه". هكذا، تقول بويم: "تحوّلت النوستالجيا في العصر الحديث إلى داء عضال، مرض اجتماعي وثقافي غير قابل للشفاء".
التكنوستالجيا: الفضاء الافتراضي كمصنع للذاكرة
ومن مرضٍ قابلٍ للشفاء ثمّ داء عضال، تحوّلت النوستالجيا في عصرنا الرقمي الى فرصة تسويقية وممارسة يومية: فلتر يُقَدِّم الحاضر بلونٍ قديم، ستوري تُلتقط وكأنها وداعٌ استباقي للحظة، وميزة "في مثل هذا اليوم" تذكّرنا بما كنّا عليه قبل أن ننساه فعلًا. وفي السنوات الأخيرة، غدت حسابات كثير من المهاجرين، بل والمقيمين ايضاً، أرشيفات نوستالجيا جماعية يشاركونها مع آلاف الغرباء الذين يشبهونهم في الحنين.
بين فيديو لطريق ترابية في قرية لبنانية، وآخر لشارع بيروتيّ تغزوه آرمات المحلّات المنسية منذ التسعينيات، تتشكّل الهوية البصرية لبلدٍ واقعٍ في حبّ ماضيه، رغم سوداويته، ومرتبك أمام حاضره. تُصوَّر هذه المشاهد غالباً بعدسة هاتف حديثة عالية الدقة، لكن بتقنيات تعيدها إلى زمن أقدم مما هي عليه.
تستحضر هذه الخوارزمية صورًا لم نطلبها، فتوقظ شوقًا لم نكن نعرف أننا نحمله. فهي لا تعمد فقط إلى مفاقمة الشوق إلى ما ضاع، بل إلى تحفيز حنين زائف لأشياء لم يخطر في بال أحد أنها ضاعت أصلًا، وحنين استباقي إلى حاضر يتلاشى بنقرة زر. حتى الأموات لم يسلموا من هذا الحنين، صورهم باتت تبتسم وتتحرّك بفضل الذكاء الاصطناعي، لتصبح التكنولوجيا أداة لإرجاء الفقد.
الأشياء التي تراها في المرآة أبعد مما تبدو
المفارقة أن هذه الأماكن التي تحييها الذاكرة الرقمية لم تكن تبدو استثنائية عندما كان أصحابها يعيشون فيها. كانت عادية، خانقة أحيانًا، أو محمّلة بأسباب الرحيل نفسها. لكن، بعد الهجرة، وبعد أن يفرض المكان الجديد إيقاعه البارد، تتحوّل الذاكرة الرقمية إلى آلة تلميع، محتفظةً فقط بما يصلح للمشاهدة والمشاركة. يقول المؤرخ مايكل كامن إن "النوستالجيا هي التاريخ من دون ذنب"؛ ننسى ذنوبنا وذنوب إخوتنا من المواطنين حين نتذكّر من بُعد.
هكذا، توثّق هذه الصورة المكان ليس كما كان، بل كما يحتاجه صاحبه الآن.. كتعويض وعزاء. وليس جمهور هذا المحتوى من "الآخرين" فحسب، بل من أبناء المكان أنفسهم، الذين يتعرّفون على قراهم ومدنهم عبر شاشات صغيرة، ويقعون في حبّ نسخة مصفّاة منها، نسخة لم يعايشوها يومًا بهذا الصفاء. في هذا السياق، تصبح النوستالجيا الرقمية أقل ارتباطاً بالعودة، وأكثر التصاقًا بالمسافة. تحذّر بويم أنه، كما في المرآة، "موضوع الحنين أبعد مما يبدو".
هذه النوستالجيا الرقمية لا تعيد الاعتبار للمكان، إنما تحوّله إلى ديكور وخلفية قابلة للاستهلاك، بل إلى عبء جديد على من ما زال يعيش فيه. هؤلاء يجدون أنفسهم حرّاسًا لذاكرة ليست لهم تمامًا، مُطالَبين بالحفاظ على صورة "مفلترة" لا تفسد حنين الآخرين. أمّا الآخرون، البعيدون، فحذار أن يصدّقوا تلك الصورة المرمنسة. فهي تحمل خطر الموت، كما يعرف الجنود السويسريون، وكذلك الروس.
